السبت، 09 ديسمبر 2023
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

مرزوق العمري يكتب: من أعلام الدعوة الإسلامية.. الشيخ عمر العرباوي

الجزائر – مرزوق العمري: قيض الله عز وجل لخدمة دينه والدعوة إليه رجالا تميزوا بما آتاهم الله ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

138 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

 د. محمد حسن بدر الدين دكتوراه في العلوم الانسانية:

من نعم الله العظمى على المسلمين بعثة خاتم المرسلين، قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} (آل عمران:164).

أراد الله تعالى أن يربي المسلمين، فوضع لهم منهجا لتربية الجسد وتربية الروح، هو منهج التزكية والحكمة، الذي يراعي التركيبة البدنية والنفسية في الإنسان. وضمانة هذا المنهج محددة في قوله تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الملك:14). فالله الخبير بعباده جعل لهم كيانا مزدوجا فيه الغرائز وفيه الروح، ولا بد من تحقيق توازن بينهما؛ حتى لا تطغى الغرائز على الروح، ولا تجور الروح على الغرائز، وهذا المنهج واضح المعالم في نظام الإسلام، خصوصا في منظومتي العبادات والأخلاق. ويهمنا في هذا المقال فهم طبيعة ذلك التوازن، من خلال عبادة الصوم.

حكمة التكليف والتحرر من سلطة العادات

من المعلوم في فقه الإسلام أن كل عمل يقوم به الإنسان لا يستحضر فيه نية العبادة والتوجه إلى الله تعالى، يتحول إلى مجرد عادة، وإن كان هذا العمل في ذاته من الطاعة والامتثال لأوامر الله تعالى، ولكن الهدف الإسلامي من ذلك هو تحرير الطاعة من سلطة العادة، وتخصيصها لله وحده، لكي يتمتع الإنسان بشرف العبادة ولذة التكليف، وينال الجزاء الأوفى.

من الواضح أن إحدى الحكم الكبرى في فرض الصيام، إبطال العادة وتحرير الإنسان من ربقة التقاليد والعادات التي لا تصدر عن حكمة وهدف. فقد جرت العادة أن يأكل الإنسان ويشرب متى شاء من دون أي مانع، فجاء الصيام ليحرم هذا المباح المعتاد، من أجل تحرير الإنسان من سلطة الرغبات والغرائز؛ لأن الإنسان لو ترك على الإباحة دائما لسيطرت عليه العادة، ولحرمته من القدرة على الاختيار والحرية. إلى جانب إشعار المسلم بأنه أكبر من العادة والهوى والغريزة، ومن أجل أن يشعر بشرف التكليف وعزة العبادة وطاعة الله عزوجل.

ومن أجل المحافظة على هذه المبادئ، وتحقيق الموازنة السليمة بين الغريزة والروح، شرع الإسلام صيام النوافل والتطوع، ترغيبا في مزيد من التحرر، وتكريسا لمبدأ مغالبة العادة والهوى، ذلك لأنه إذا طال العهد بالإنسان وهو بعيد عن التكاليف والعبادات، وخاض في الحياة مع الخائضين، كان عرضة للوساوس والفتن، ولأن طول الأمد يولد قسوة القلب، وهو مرض أصاب أهل الكتاب من قبل، قال تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} (الحديد:16).

تحيط بالإنسان شهوات النفس وزخارف الدنيا فتقطعه عن ربه، وتستغرق كل همه، وتلهيه عن الحق، وتميت في نفسه معاني التسامي فوق أسباب المادة، ويصبح ولاؤه لما ساد في المجتمع من عادات وعصبيات. ومهمة الصوم هي تحرير الإنسان من تلك الغفلة، وتعويده على الترقي فوق ضغوط البيئة ومألوف العادات. وتثبيتا لهذه المعاني السامية ارتبط الصوم بجملة من الآداب والشروط، كان القصد منها على الدوام، المحافظة على أهداف الصيام ومقاصده، وتحقيق المراد منها، مثل كف السمع والبصر واللسان واليد وسائر الجوارح عن المعاصي والآثام. فهو صوم الجوارح عما لا يرضي الله عز وجل، أي إن الإنسان إذا صام، إنما يكون قد حكم روحه وعقله في غرائزه، فأوقف غريزة الغضب في مكانها، وغريزة الأنانية عند حدها؛ فلا يشتم ولا يغتاب ولا يعتدي ولا يثأر لنفسه، ويمنع يده أن تمتد إلى ما لا يرضي الله، ويسيطر على بصره؛ فلا يمتد إلى ما حرم الله. ثم يجتهد أن يجعل قلبه عامرا بذكر الله في كل حين، فيحقق بذلك التوازن المنشود بين الغريزة والبصيرة أو الحكمة العالية التي زكاها القرآن الكريم في قوله تعالى: {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} (البقرة:269).

وبذلك يتحول الصيام إلى تربية روحية عالية، ومدرسة أخلاقية واجتماعية رائدة، يحقق منهج التكامل والتوازن والاعتدال الذي بناه الإسلام في النفس والمجتمع. وهو أيضا المنهج النبوي الذي أصله النبي عليه الصلاة والسلام، في التعامل مع أحكام الدين وفرائضه المتنوعة: عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله افترض عليكم فرائض فلا تضيعوها، وحد لكم حدودا فلا تعتدوها، ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تكلفوها، رحمة من ربكم فاقبلوها»(1).

الاستمداد من منهج الرسول صلى الله عليه وسلم

لكي يحقق الصوم أهدافه وآدابه على أحسن وجه، لا بد من الاقتداء بالمنهج النبوي الذي يرتكز على الرفق والإحسان والاعتدال، واجتناب التشدد والتعقيد، والتركيز على استغلال الوقت وتقوية الصلة بالله عز وجل بالطاعات وأعمال البر والخير. فمن منهجه وهديه عليه الصلاة والسلام أنه كان يكثر في رمضان من الإحسان وتلاوة القرآن، والصلاة والذكر والاعتكاف. عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان. إن جبريل عليه السلام كان يلقاه في كل سنة في رمضان حتى ينسلخ، فيعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة»(2).

ومن آداب الصوم ومقتضياته اتباع هديه صلى الله عليه وسلم في الالتزام بمنهج الحلال والحرام في الأكل والشرب والقول والنظر، وذلك بأن يكف المسلم أذاه عن جميع الناس استجابة لتحذير النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة بأن يدع طعامه وشرابه»(3).

وهكذا يتبين أن الصوم وظيفة تعبد خالصة، توقظ في الصائم مشاعر الدين والولاء والوحدة، وتحرره من سلطة العادات وعبودية التقليد إلى عبودية الله وحده، وهذا يحيط حياته طوال أيام الشهر بالحماس والسعادة، مستشعرا رضوان الله تعالى، ومشاركة الآخرين روح التعبد وصدق الولاء.

الصوم انتصار على الضعف وارتباط بالقيم العليا

كان من عادة الخليفة العباسي هارون الرشيد (149-193هـ) أن يستدعي العلماء والوعاظ ليطلب منهم النصيحة والوعظ، فأحضروا له يوما الواعظ الشهير ابن السماك (ت:183هـ)، فدخل عليه وكان في يد الرشيد كوب ماء. فقال: أرأيت لو منع عنك هذا الماء؟ قال: أفديه بنصف ملكي. فلما شرب، قال له: أرأيت لو حبس عنك خروج هذا الماء، أكنت تفديه بنصف ملكك الباقي؟ قال: نعم. فقال: يا أمير المؤمنين، فما تصنع بملك شربة ماء خير منه؟(4).

تصلح هذه القصة لفهم حقيقة الصوم وأسرار تشريعه؛ فالإنسان هو أشرف المخلوقات، ولكنه ضعيف، وفي حاجة إلى من يذكره بهذا الضعف، حتى لا يغتر باكتشافاته واختراعاته، وينسى أنه ضعيف ومحتاج، ولا يساوي شيئا من دون الماء أو الطعام أو الهواء أو النوم. والحقيقة أن كل إنسان يشعر بضعفه أمام أبسط الحاجات الضرورية لحياته كالأكل والراحة، ولكنه لا يفكر لماذا هذا الضعف وما مصدره؟ فقد تعود عليه لأنه متوافر أمامه، ولكن ماذا لو منع عنه؟

إن السر في ضعف الإنسان يكمن في أن ما يملكه وما يتمتع به ليس نابعا من ذاته، بل من غيره، فلا الوجود ولا القوة ولا القدرة على التمتع بالشيء من ذاته، بل هي من مصدر آخر. وهي كلها ودائع مسترجعة وإلى زوال وفناء. عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقول العبد: مالي، مالي، إنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى، وما سوى ذلك فهو ذاهب، وتاركه للناس»(5).

إن الصيام يريد أن يذكرنا بتلك الحقائق، ويعرفنا ببواطن الأمور. ويريد أن يدفعنا إلى التفكير في مصدر العطاء، وفي الواهب العظيم الذي تكرم علينا بهذه القدرات لكي نربط أنفسنا به ونشكره على نعمه الجليلة، ونقول له: كم أنت عظيم وكريم يا رب. إن الصوم يعلمنا أن نربط صلتنا بالخالق المنعم، وأن نترك ما سواه، وأن نجعل من أنفسنا هدفا للسمو بأن نبتعد قليلا عن هذا الجسم الذي يربطنا دائما بالتراب والمادة. فليس الجسد هو الهدف، بل هو مجرد وسيلة ركبت فيه الروح التي تطمح إلى السمو والتعالي.

إن القدرة على تحمل الجوع والصبر على الأذى من أقوى وسائل التحرر الاقتصادي والاجتماعي. وإذا ربطنا حياتنا بأهداف عليا تتجاوز دوائر المطالب المادية، فسنكون قد كسبنا عزة الحياة فلا أحد يمكن أن يهددنا بالمقاطعة الاقتصادية أو يتحكم في مصيرنا. وهذا هو جهاد النفس الذي جعله الإسلام من أعلى مراتب الشهادة والفوز بالخلود. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه، وقد انصرفوا من الجهاد: «أتيتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر. قالوا: وما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟ قال: مجاهدة النفس»(6).

عرضنا بعض دروس الصيام ومعانيه الجليلة، التي تحتاج إلى تجلية وإبراز، حتى تتمكن في نفوسنا وتترسخ في وجداننا وسلوكنا. وبذلك يكون صيامنا صياما واعيا، بعيدا عن كل مظاهر الانحراف، وشوائب العادات والأعراف.

الهوامش

1 - أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني (ت:385هـ)، سنن الدارقطني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، ط1، بيروت، 1424هـ/2004م، ج5، ص:537.

2 - القاضي عياض (ت:544هـ)، شرح صحيح مسلم (المسمى «إكمال المعلم بفوائد مسلم»)، تحقيق: يحيى إسماعيل، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، مصر، 1419هـ/1998م، ج7، ص273.

3 - أبو بكر ابن خزيمة (ت:311هـ)، صحيح ابن خزيمة، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، ط3، دمشق، 1424هـ/2003م، ج2، ص:958.

4 - الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي (ت:463هـ)، تاريخ بغداد، تحقيق: مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت، 1417هـ، ج2، ص:448.

5 - مسلم بن الحجاج (ت:261هـ)، المسند الصحيح المختصر، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1412هـ، ج4، ص:2273.

6 - أبو الحسن علي بن خلف ابن بطال (ت:449هـ)، شرح صحيح البخاري، تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، مكتبة الرشد، ط2، الرياض، 1423هـ/2003م، ج10، ص:210، «باب من جاهد نفسه في طاعة الله».

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

جامعة ولاية سونورا بالمكسيك تمنح عبد الوهاب زايد الدكتوراه الفخرية

سونورا – الوعي الشبابي: منحت جامعة ولاية سونورا بالولايات المتحدة المكسيكية شهادة الدكتوراه ...

أحمد المنزلاوي يكتب: التسامح بين الزوجين نماء واستمرار

القاهرة – أحمد المنزلاوي: لا تكاد تخلو الحياة الزوجية من مشكلات وخلافات، سيقع البعض في أخطاء ...

مواجهة الإلحاد بالعلم والعقل والدين.. كتاب جديد للدكتور خالد راتب

القاهرة – الوعي الشبابي: أصدر الدكتور خالد محمد راتب، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال