الأحد، 19 مايو 2024
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

مرزوق العمري يكتب: من أعلام الدعوة الإسلامية.. الشيخ عمر العرباوي

الجزائر – مرزوق العمري: قيض الله عز وجل لخدمة دينه والدعوة إليه رجالا تميزوا بما آتاهم الله ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

89 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

د. إبراهيم نويري - كاتب وباحث أكاديمي:

تناول أديب العربية الكبير مصطفى صادق الرافعي رحمه الله العديد من القضايا الإسلامية والفكرية ذات الصلة الوطيدة بعقيدة الأمة ودينها وحضارتها، ونافح بقلمه الذهبي وفكره الوقاد عن الإسلام وشريعته، ووقف طودا شامخا في وجه موجات التغريب المتلاحقة التي رامت إلحاق ثقافة المسلم وفكره وسلوكه بمرجعيات الحضارة الغربية المعاصرة في شتى مجالات الحياة.

وفي هذا المقال نقدم للقارئ الكريم جوانب من رؤاه وتصوراته الإيمانية لبعض أسرار صوم شهر رمضان وما يتصل بها من حكم ومقاصد سواء على صعيد الفرد أو المجتمع وشبكة علاقاته العامة.

ولد مصطفى صادق الرافعي في بيت جده لأمه بقرية صغيرة تسمى «بهتيم» تابعة إداريا لمحافظة القليوبية في مصر، بتاريخ الفاتح من شهر يناير سنة 1880م، وتعود أرومة أسرته إلى آل الرافعي في سوريا وطرابلس الشام، ويتصل نسبه بعبدالله بن عمر بن الخطاب الخليفة الراشد رضي الله عنه(1). أدخله والده كتاب القرية فأتم حفظ القرآن، ثم دخل المدرسة النظامية، لكنه لم ينل منها سوى الشهادة الابتدائية، شأنه شأن الأديب الكبير عباس محمود العقاد؛ ويعزى سبب انقطاعه عن التعليم النظامي إلى مرض ألم به في صباه أدخله المستشفى وتسبب له في فقدان السمع بصورة كاملة؛ أكب بعد ذلك على مكتبة والده العامرة بمختلف كتب الدين وأسفار التراث العربي فاستوعبها، حتى بات من أعظم وأشهر الكتاب المجيدين البارعين في مصر خلال القرن العشرين.

اشتغل كاتبا في عدة محاكم مصرية، إذ إن آل الرافعي كانوا من رجال القضاء الشرعي إلى درجة أن اجتمع منهم في وقت ما أربعون قاضيا في مختلف المحاكم المصرية. أنتج ثروة علمية وأدبية جليلة النفع، أشهرها: تحت راية القرآن، إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، تاريخ آداب العرب، رسائل الأحزان، ديوان الرافعي... إلخ. أدركته الوفاة يوم 14 مايو من سنة 1937م عن سبع وخمسين سنة، ودفن بمقبرة الأسرة في طنطا، رحمه الله وطيب ثراه لقاء ما قدم لدينه ولغته وأمته الإسلامية.

الرحمة من أسرار الصوم الاجتماعية

أعمل الرافعي عقله التأملي في فريضة صوم شهر رمضان، فأرشده إلى خير عميم وإلى فضائل كثيرة، قد تخفى على كثير من المسلمين، لاسيما هؤلاء الذين يقرأون القرآن الكريم قراءة سريعة لا حظ فيها للتأني والروية والتدبر والتأمل؛ وعلى الرغم أن الأصل في العبادات المفروضة هو التعبد والاستجابة الطوعية لأوامر الله سبحانه وتعالى، إلا أنه من الخير أيضا للإنسان المسلم أن ينظر في معانيها ومراميها السامية تطلعا إلى إدراك بعض ما تنطوي عليه من مقاصد ومآلات ترشد إلى المصلحة والمنفعة في الدنيا والآخرة، وقد نبه القرآن الكريم إلى ذلك في مواضع كثيرة منه، كما في قوله جل شأنه: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (محمد:24)، وقوله أيضا: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (ص:29). وقد رجح الرافعي بأن من أهم مقاصد الصوم تربية الرحمة في نفس المسلم، إذ إن «من قواعد النفس أن الرحمة تنشأ من الألم، وهذا بعض السر الاجتماعي العظيم في الصوم، إذ يبالغ أشد المبالغة، ويدقق كل التدقيق في منع الغذاء وشبه الغذاء عن البطن وحواشيه مدة آخرها آخر الطاقة؛ فهذه طريقة عملية لتربية الرحمة في النفس، ولا طريقة غيرها إلا النكبات والكوارث، فهما طريقتان كما ترى: مبصرة وعمياء، وخاصة وعامة، وعلى نظام وعلى فجأة»(2).

فهذه الطريقة في تربية الرحمة وإثارة سلطانها تختلف عن وازع روح التضامن الذي ينهض بين جنبات النفس المؤمنة أثناء النوازل والكوارث الطبيعية، لأنها طريقة نابعة من الأمر الإلهي ومعضدة بالأركان والفرائض والأحكام القطعية؛ ولعل من البداهة حسب فهم الرافعي أن ندرك أنه «متى تحققت رحمة الجائع الغني للجائع الفقير، أصبح للكلمة الإنسانية الداخلية سلطانها النافذ، وحكم الوازع النفسي على المادة، فيسمع الغني في ضميره صوت الفقير يقول (أعطني). ثم لا يسمع منه طلبا من الرجاء، بل طلبا من الأمر لا مفر من تلبيته والاستجابة لمعانيه، كما يواسي المبتلى من كان في مثل بلائه»(3).

ويذهب الرافعي إلى أن هذه الطريقة العملية إنما هي معجزة من معجزات الإسلام الخالدة فيقول في صيغة الإعجاب والزهو والاعتزاز بعقيدته ودينه وما يطفحان به من أمارات ودلائل الإعجاز المبهرة والحكم البالغة: «أية معجزة إصلاحية أعجب من هذه المعجزة الإسلامية التي تقضي أن يحذف من الإنسانية تاريخ البطن ثلاثين يوما في كل سنة، ليحل في محله تاريخ النفس، وأنا مستيقن أن هناك نسبة رياضية هي الحكمة في جعل هذا الصوم شهرا كاملا من كل اثني عشر شهرا، وأن هذه النسبة متحققة في أعمال النفس للجسم، وأعمال الجسم للنفس، كأنه الشهر الصحي الذي يفرضه الطب في كل سنة للراحة والاستجمام وتغيير المعيشة، لإحداث الترميم العصبي في الجسم»(4).

والرافعي لا يعتبر التكاليف الإسلامية عبئا ثقيلا على الإنسان المسلم، فإن ما شرعه الله كله خير وكله حكمة وكله بركة، حتى ليبدو المسلم جراء تمثله لمنازع الخير وأعمال البر الاجتماعية ذا طبيعة جبلية هيئتها مقاصد الشرع الحنيف لهذه المسالك النبيلة، وكما خلقت الطيور إلى التحليق في الأجواء الشاهقة، هيأ الإسلام المسلم ليمد المنافع ولينثر أعمال الخير في كل اتجاه وفي كل سبيل داخل مجتمعه.

وبما أن الحال كذلك، وهي كذلك يقينا، فليست إذن «أثقال المسلم من دنياه أثقالا على نفسه، بل كانت له أسباب قوة وسمو، كالنسر المخلوق لطبقات الجو العليا، فهو يحمل دائما من أجل هذه الطبقات ثقل جناحيه العظيمين. المسلم إنسان ممتد بمنافعه في معناه الاجتماعي حول أمته كلها، لا إنسان ضيق حول نفسه بهذه المنافع، وهو مع غيره في صدق المعاملة الاجتماعية كالتاجر مع التاجر، تقول الأمانة لكليهما: لا قيمة لميزانك إلا أن يصدقه ميزان أخيك»(5).

الصوم وتربية الإرادة

وفي موضع آخر يؤكد الرافعي على أن إعلان الإرادة، أي تحفيزها وتهيئتها للبر وأعمال الخير مقصد جليل من مقاصد الصوم، يروم تثبيت وترسيخ الفضائل الروحية والنفسية، وتوهين رذائل الغرائز العاتية الرابضة في دماء الإنسان، في سبيل تحقيق المنافع العامة، وفي طليعتها الشعور العملي بمكابدات الضعفاء والمحتاجين وذوي المسغبة في هذه الحياة.

حيث يذهب إلى أن «في ترائي الهلال ووجوب الصوم لرؤيته معنى دقيق، ومع إثبات رؤية الهلال وإعلانها، إثبات الإرادة وإعلانها، كأنما انبعث أول الشعاع السماوي في التنبيه الإنساني العام لفروض الرحمة والإنسانية والبر. وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمتنع باختياره من شهواته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة»(6).

وفي نظر الرافعي أن الأسلوب العجيب الذي يحدثه الصوم ويرسخ أثره في إهاب وكيان إرادة الإنسان المسلم والمجتمع المسلم، أكثر فعالية وأرسخ مردودا وتأثيرا، من كل آثار وثمار القوانين الوضعية المتغيرة التي يسطرها عبر مختلف مراحل الزمن ذكاء الأمم وعلم علمائها من أجل تحقيق جملة من الأهداف الاجتماعية والخيرية والاقتصادية ونحوها.

ومما لا ريب فيه أن «إدراك هذه القوة من الإرادة العملية منزلة اجتماعية سامية، هي في الإنسانية فوق منزلة الذكاء والعلم، ففي هذين تعرض الفكرة مارة مرورها، ولكنها في الإرادة تعرض لتستقر وتتحقق، فانظر في أي قانون من القوانين، وفي أية أمة من الأمم، تجد ثلاثين يوما من كل سنة قد فرضت فرضا لتربية إرادة الناس ومزاولتهم فكرة نفسية واحدة بخصائصها وملابساتها حتى تستقر وترسخ وتعود جزءا من عمل الإنسان، لا خيالا يمر برأسه مرا»(7).

وهذا ملمح تميزت به الشريعة الإسلامية السمحة، في ترسيخ الانقياد والطاعة داخل النفس البشرية تلك التي تماهت معها الإرادة بفعل أوامر الدين وتنزيل أحكامه وتعاليمه بعلم وفقه وبصيرة. فلا غرو إذن بعد هذه الحقيقة المقررة أن نجد الرافعي يعزو الفضل في الاستجابة لما هو مسطر في منظومة القوانين التي ترعى المصالح والفضائل إلى إعزاز الشريعة والالتزام بأحكامها وتوجيهاتها، حيث يقرر أنه «لو لا التدين بالشريعة، لما استقامت الطاعة للقانون في النفس، ولو لا الطاعة النفسية للقوانين، لما انتظمت أمة؛ فليس عمل الدين إلا تحديد مكان الحي في فضائل الحياة؛ وتعيين تبعته في حقوقها وواجباتها، وجعل ذلك كله نظاما مستقرا فيه لا يتغير، ودفع الإنسان بهذا النظام نحو الأكمل»(8).

وبعد أن استنبط الرافعي الكثير من الرؤى والحكم والأسرار التي يستبطنها ويتضمنها صوم شهر رمضان باعتباره ركنا من أركان الإسلام، أقر بأنه استخرجها من تأملاته الدائمة لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة:183). ثم قال بصيغة الواثق المدرك للكنوز والفوائد الثمينة التي أودعها الله جل جلاله هذه الفريضة الإسلامية الجليلة: «ألا ما أعظمك يا شهر رمضان! لو عرفك العالم حق معرفتك لسماك: مدرسة الثلاثين يوما»(9).

رحم الله أديب البيان العربي المشرق مصطفى صادق الرافعي وطيب ثراه، لقد كان أديبا أصيلا شديد الارتباط بالقرآن وبيان ما في عقائد الإسلام وشريعته الغراء من أسرار وحكم مبهرة، جاءت كلها لصالح الإنسان، وتحقيق السعادة الحقة سواء أثناء الحياة الدنيوية الزائلة، أو في الحياة الأبدية الدائمة في الآخرة.

هوامش

1- محمد سعيد العريان، حياة الرافعي، ص24.

2- مصطفى صادق الرافعي، وحي القلم، ج2، ص68.

3- المرجع نفسه والصفحة نفسها.

4- المرجع نفسه والصفحة نفسها.

5- وحي القلم، ج2، ص17،16.

6- وحي القلم، ج ، ص 6.

7- المرجع نفسه والصفحة نفسها بتصرف طفيف.

8- مصطفى صادق الرافعي، وحي القلم، ج3، ص35.

9- وحي القلم، ج2، ص71.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

جامعة ولاية سونورا بالمكسيك تمنح عبد الوهاب زايد الدكتوراه الفخرية

سونورا – الوعي الشبابي: منحت جامعة ولاية سونورا بالولايات المتحدة المكسيكية شهادة الدكتوراه ...

حسن بن محمد يكتب: العيد.. وتعزيز القيم الأسرية

حسن بن محمد - كاتب وباحث - تونس: يعتبر العيد مناسبة للفرح والاحتفال لدى كل العائلات المسلمة، وهو ...

مواجهة الإلحاد بالعلم والعقل والدين.. كتاب جديد للدكتور خالد راتب

القاهرة – الوعي الشبابي: أصدر الدكتور خالد محمد راتب، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال