الأربعاء، 29 مايو 2024
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

مرزوق العمري يكتب: من أعلام الدعوة الإسلامية.. الشيخ عمر العرباوي

الجزائر – مرزوق العمري: قيض الله عز وجل لخدمة دينه والدعوة إليه رجالا تميزوا بما آتاهم الله ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

305 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

قدوتى

52255

د. محمود خلف :

حفني (أو محمد حفني) بن إسماعيل ابن خليل بن ناصف: ولد في قرية بركة الحج (المجاورة لضاحية المرج القريبة من القاهرة حاليا).

عاش في عدة مدن مصرية، وقام برحلات إلى سورية وبلاد العرب والآستانة واليونان ورومانيا والنمسا وألمانيا وسويسرا والسويد.. وغيرها من بلدان أوروبا.

حفظ القرآن الكريم في كُتّاب القرية، ثم التحق بالأزهر مدة عشر سنوات (1286 - 1297هـ/ 1869 – 1879م)، درس فيها علوم التجويد وحفظ المتون، ودرس الفقه الشافعي، والنحو والصرف، وعلوم البلاغة والعروض والقوافي والمنطق والتوحيد والحديث والتفسير. وحصل على إجازة في رواية الحديث من الشيخ الأشموني، ثم التحق بمدرسة دار العلوم عند إنشائها، وحصل على إجازتها (1300هـ /1882م)، فدرس الحساب والهندسة والكيمياء والطبيعة والتاريخ والجغرافيا ووظائف الأعضاء ومبادئ اللغة الفرنسية.

اشتغل مدرسا في مدرسة الصم والبكم والعميان ثلاث سنوات، وتنقل في وظائف وزارتي المعارف والحقانية (العدل حاليا) - وفي أثناء عمله بمدرسة الحقوق اشترك في ترجمة القوانين المصرية، كما اشتغل في القضاء الأهلي عشرين عاما، وكان آخر مناصبه فيه وكيل محكمة طنطا الكلية.

كان من دعاة إنشاء الجامعة المصرية (1326هـ/ 1908م)، وقد تبرع لها، ورأس لجنة الاكتتاب، وكان من أوائل المدرسين فيها، ثم انتخب أول رئيس لها. كما شارك في إنشاء المجمع اللغوي الأول، ونادي دار العلوم. وآخر عمل مارسه كتابة القرآن الكريم بخط يده، حسب قواعد الإملاء الحديثة.

وله مداعبات شعرية مع حافظ إبراهيم وغيره. وكان يتجنب المدح والفخر في شعره. وهو والد «باحثة البادية».

تتلمذ على يديه: مصطفى كامل وأحمد شوقي وأحمد لطفي السيد وطلعت حرب وطه حسين وأحمد زكي (شيخ العروبة).. وغيرهم.

اشترك مع الشيخ محمد عبده في تحرير «الوقائع المصرية»، وكان يكتب في «الأهرام» بتوقيع «إدريس محمدين»، كما شارك في تحرير «المؤيد»، التي كان يصدرها الشيخ علي يوسف، واشترك في الثورة العرابية بخطب كان يلقيها ويكتبها ويوزعها على خطباء المساجد والشوارع.

نال رتبة «البكوية» (من الدرجة الأولى)، واعتذر في زمن السلطان حسين كامل عن عدم قبول رتبة «الباشوية».

له عدة مؤلفات في تاريخ الأدب ومميزات لغة العرب، وفي البلاغة، وتعريب أسماء المستحدثات الحضارية والمدنية، وله رسائل في المنطق والبحث والمناظرة وعلم الأصول والتوحيد، بالإضافة إلى مجموعة نثر.

تدل عناوين قصائده على طابع شعره الوصفي الأخلاقي، ففيه تكثر أسماء الشخصيات، وأسماء المدن التي زارها، وهذا ملمح من ملامح تجديده، إذ كان معاصرا للبارودي، وتأثر به. وشعر حفني ناصف يمثل عصره المتطلع إلى النهوض، كما يمثل طبائع المصريين وطبيعتهم، فمن الناحية الفنية تبدو الحلى البلاغية، وبخاصة الجناس والتورية والتضمين، ومن ناحية الطبائع يذكر بروح البهاء زهير في رشاقة العبارة والميل إلى الدعابة.

ويقول عنه تلميذه طه حسين: إنه «كان ذكي القلب، خصب الذهن، نافذ البصيرة، حاضر البديهة، سريع الخاطر، ذرب اللسان، وكان أسمع الناس طبعا، وأرجحهم حلما، وأعذبهم روحا، وأرقهم شمائل».

له «تاريخ الأدب أو حياة اللغة العربية» (جزآن من أربعة)، و«مميزات لغات العرب»، ورسالة في «المقابلة بين لهجات بعض سكان القطر المصري». واشترك في تأليف «الدروس النحوية» (أربعة أجزاء). وجمع ابنه مجد الدين ناصف شعره، في ديوان سماه «شعر حفني ناصف».

توفي بمدينة حلوان (جنوب القاهرة).

نماذج من شعره

قال فقيد الأدب حفني بك ناصف:

أتقضي معي - إن حان حيني - تجاربي

وما نلتها إلا بطول عناء

وأبذل جهدي في اكتساب معارف

ويفنى الذي حصلته بفنائي

ويحزنني ألا أرى لي حيلة

لإعطائها من يستحق عطائي

إذا ورث الجهال أبناءهم غنى

وجاها فما أشقى بني الحكماء

نماذج من نثره

ولعل من أشهر رسائله، وأدلها على أسلوبه وخصائصه، وكيف كان يضمنها الأمثال والأشعار، ويحل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بطريقة تدل على مقدرة وتمكن في الكتابة، وعلى أن حفني قد يجد - وكثيرا ما يجد - في كتابته فيغضب لكرامته، ويكون قاسيا في معاتبته، مع أدب جم، وذوق رفيع في اختيار الكلمات، وعرض الفكرة. لعل من أشهر رسائله في هذا الباب رسالته إلى السيد توفيق البكري، وقد زاره في بيته فوجد زوارا كثيرين، فانتظر حتى قدم صاحب الدار، ولكنه لم يعره التفاتا، فكتبت إليه يعتب عليه:

«كتابي إلى السيد السند، ولا أجشمه الجواب عنه، فذلك ما لا أنتظره منه، وإنما أسأله أن ينشط لقراءته، وتنزل إلى مطالعته، وله الرأي بعد ذلك أن يحاسب نفسه، أو يزكيها ويحكم لها أو عليها.

فقد تنفع الذكرى إذا كان هجرهم

دلالا فأما إن ملالا فلا نفعا

زرت «السيد»، ويعلم الله أن شوقي إلى لقائه، كحرص على بقائه، وكلفي بشهوده، كشغفي بوجوده، فقد بعد والله عهد هذا التلاق، وطال أمد الفراق، وتصرم الزمان، وأنا من رؤيته في حرمان. فسألت عنه فقيل لي: إنه خرج لتشييع زائر، وهو عما قليل حاضر، فانتظرت رجوعه، وترقبت طلوعه، ولم أزل أعد اللحظات، وأستطل الأوقات، حتى بزغت الأنوار، وارتج صحن الدار، وظهر الاستبشار على وجوه الزوار، وجاء «السيد» في موكبه وجلاله محتده ومنصبه، فقمنا باستقباله، وهيّمنا بكماله، فمر يتعرف وجوه القوم، حتى حاذاني، وكبر على عينه أن تراني، فغادرني ومن على يساري، وأخذ في السلام على جاري، وجر السلام الكلام، وتكرر القعود والقيام، وأنا في هذه الحال أوهم جاري أني في داري، وأظهر للناس أن شدة الألفة تسقط الكلفة، مر السيد بعد ذلك من أمامي ثلاث مرات، ومن الغريب أنه لم يستدرك ما فات.

تمرون الديار ولم تعوجوا

كلامكم علي إذا حرام

وكنت أظن أن مكانتي عند السيد لا تنكر، وأن عهدي لديه لا يخفر، فإذا أنا لست في العير ولا في النفير، وغيري عند السيد كثير، وذهاب صاحب أو أكثر عليه يسير.

ومن مدت العليا إليه يمينها

فأكبر إنسان لديه صغير

ولا أدعي أني أوازي السيد - صانه الله - في علو حسبه، أو أدانيه في علمه وأدبه، وأقاربه في مناصبه ورتبه، أو أكاثره في فضته وذهبه، وإنما أقول: ينبغي للسيد أن يميز بين من يزوره لسماع الأغاني والأذكار، وشهود الأواني على مائدة الإفطار، وبين من يزوره للسلام، وتأييد جامعة الإسلام، وأن يفرق بين من يتردد عليه استخلاصا للخلاص، ومن يتردد إجابة لدعوى الإخلاص، وألا يشتبه عليه طلاب الفوائد بطلاب العوائد، وقناص الشوارد، بنقباء الموالد، ورواد الطرف بأرباب الحرف.

فما كل من لاقيت صاحب حاجة

ولا كل من قابلت سائلك العرفا

فإن حسن عند السيد أن يغضي عن بعض الأجناس، فلا يحسن أن يغضي عن جميع الناس، وإلا فلماذا يطوف على الضيوف، ويحييهم بصنوف من المعروف، يتخطى الرقاب «لصروف»، ويخترق لأجله الصفوف؟ فإن زعم السيد أنه أعلم بتصريف الأقلام، فليس بأقدم هجرة في الإسلام، وإن رأى أنه أقدر مني على إطرائه، فليس بممكن أن يتخذه من أوليائه.

ولا أروم بحمد الله منزلة

غيري أحق بها مني إذا راما

وإنما أصون نفسي عن المهانة والضعة، ولا أعرضها للضيق وفي الدنيا سعة.

وأكرم نفسي، إنني إن أهنتها

وحقك لم تكرم على أحد بعدي

فلا يصعر السيد من خده، فقد رضيت بما ألزمني من بعده، ولا يغض من عينه، فهذا فراق بيني وبينه، وليتخذني صاحبا من بعيد، ولا يكلمني إلى يوم الوعيد.

كلانا غني عن أخيه حياته

ونحن إذا متنا أشد تغانيا

ومني على السيد السلام، على الدوام، ومبارك إذا لبس جديدا، وكل عام وهو بخير إذا استقبل عيدا، ومرحى إذا أصاب، وشيعته السلامة إذا غاب، وقدوما مباركا إذا آب، وبالرفاء والبنين إذا أعرس، وبالطالع المسعود إذا أنجب، ورحمة الله إذا عطس، ونوم العافية إذا نعس، وصح نومه إذا استيقظ، وهنيئا إذا شرب، وما شاء الله إذا ركب، ونعم صباحه إذا انفجر الفجر، وسعد مساؤه إذا أذن العصر، وبخ بخ إذا نثر، ولا فض فوه إذا شعر، وأجاد وأفاد إذا خطب، وأطرب وأغرب إذا كتب، وإذا حج البيت فحجا مبرورا، وإذا شيع جنازتي فسعيا مشكورا، والسلام».

ونرى حفني قد سار في هذه الرسالة سيرا طبيعيا، ومهد لعتبه تمهيدا لبقا، فبيّن كم كان مشوقا إلى لقائه، والحوافز التي دعته إلى زيارته، ثم أجاد في وصف موكب السيد، ووصف حاله هو حين تخطاه ولم يعره التفاتا، وكيف حز ذلك في نفسه، وبيّن أنه على الرغم من التفاوت بينهما في المنصب والجاه والحسب والمال، فإنه لم يزره طالبا رفده أو منظرا فضله، ويجب عليه أن يفرق بين أنواع الزوار، وضرب مثلا بحفاوة السيد يعقوب صروف، وبين أنه لا يقل عنه منزلة، فليس ممن سبقوا إلى الإسلام، ثم اشتد في عتبه وثأر لنفسه في أدب، وبين أنه كريم يحافظ على مكانته، وأنه سيفارقه إلى الأبد ضنا بنفسه عن المهانة، وقطع عليه خط الرجعة، فقدم كل ما يمكن أن يقال في المناسبات، حتى تشييع جنازته، فهي رسالة أديب حر كريم، ونموذج صادق في ميدان الأدب والكرامة.

ولقد كان حفني بارعا في تصوير المواقف، والحالات النفسية والمناظر، وكان أسلوبه فيها شفافا عن نفسه، لم يحل سجعه دون ظهور صدقه، ولم تحل سماحته وسجاحته دون شدته وقوة عارضته، وقد أفاء على سجعه طلاوة قصر فقراته، ومجيئه متمكنا في مواضعه حتى لا نحس بأدنى تكلف. وقد ضمنها كثيرا من الأشعار جاءت في مكانها مناسبة للمقام تمام المناسبة.

ولا شك أن ذوق حفني، وكثرة محصوله من الأدب، نثره وشعره، وما كان فيه من حالة نفسية عاطفية، قد أضفت على القطعة كلها جوا من القوة، وجمال الرونق.

وكان حفني مولعا بالسجع، متمكنا فيه كل التمكن، ولذلك لم يعدل عنه في رسائله، بل كان يحرر به المقالات، وينشئ المقامات، وفي أخريات تلك الحقبة اشتدت الحملة على السجع ممن أرادوا تحرير النثر من قيوده، وكان ذلك طبيعيا لتطور العقول، وتحررها من مخلفات الماضي، وازدياد صلتها بالثقافات الأجنبية، ولتطور المقالة الصحفية بمختلف أنواعها، فلم لا تسلك ألوان النثر الأخرى مسلكها، ولقد كان حفني يمثل الفريق المحافظ في هذا الصراع بين الثقافتين، ولذلك سجل رأيه في السجع واضحا فقال:

«أخذوا في ذم السجع والمقفى، وأطلقوا القول في تهجينه، وضللوا المتقدمين من المنشئين، وأئمة الأدب وفرسان البراعة، ولا أقول: إن ذلك ناشئ عن عجزهم وقلة بضاعتهم في ذلك الشأن، فأخذوا يحسنون به القبيح ويقبحون الحسن، سفسطة على العالم، ومغالطة الناس، ومن جهل شيئا عاداه، بل أقول: إن هذا إطلاق في مقام التقييد، وإرسال للعنان في موضع الإمساك، وإجمال في ساحة التفصيل. والحق أن لكل مقام مقالا، وأن السجع والتقفية، قد يلبسان القول حسنا، ويكسبانه رونقا لا ينهض به تفلسفهم المسجوع، وسفسطتهم الباردة.

نعم إن بعض القاصرين من المنشئين قد يضطره الازدواج، وتحكم عليه القافية، فيأتي بألفاظ عن الغرض، أو يعقد الكلام فلا يفي بالمرام، فكانوا - لو أنصفوا - يجعلون هذا محط تهجينهم، ومرمى قذفهم، فإن الحشو مذهب لانتظام القول، مضيع لزينته.

فالغاية أنه يلزم المنشئ أن يكون كلامه وافيا بالغرض، مؤديا للمطلوب في سياق مناسب لاختلاف المقامات وتباين الدواعي، فإن سهل عليه ذلك مع مراعاة السجع والقافية، كان أدخل في تمكين المعاني في الأذهان، وأنشط للأسماع،

وأدعى للإقبال، وأخف على الأرواح، فتركه إنما هو رخصة لا عزيمة، فعليك أن تستعمل فكرك في استخلاص الحق، وتبصر وتشيم كل برق، فما كل داع بأهل لأن يصاخ له، ولا ترم بنفسك في إسار التقليد، ولا تكن في الأمور إمعة، كلما سار إنسان سرت معه».

ومع هذا الدفاع عن السجع، وبيان مواطنه المناسبة، فإن التيار كان قويا، وقد كان حفني ناصف نفسه من العاملين على إشاعة الترسل في الكتابة، كما يقول صاحبا الوسيط، وإن ظل الأسلوب الأدبي متميزا بطابع خاص، وقد مرت بنا بعض رسائل قل فيها السجع، ومع ذلك حفظت رونقها وطلاوتها كتلك التي كان يكتبها الشيخ مفتاح.

إن دفاع حفني ناصف وثيقة قيمة تكشف عن الصراع في سبيل الوصول إلى الأسلوب المناسب مع تيارات العصر، وكان آخر سهم وجهته الفرقة المحافظة قبل أن تستسلم.

yousef

د. إيهاب عبد السلام :

رحل عن دنيانا يوم الاثنين 28/9/2015م رائد كبير من روَّاد أدب الطفل.. اتسمت حياته بالعطاء المتواصل.. كان أديبا مبدعًا.. ومعلمًّا رائعًا.. إنه الأستاذ (عبد التواب يوسف) من مواليد محافظة بني سويف في مصر 1347هـ / 1928م، حصل على بكالوريوس علوم سياسية من جامعة القاهرة، وهو صاحب فكرة إصدار أول مجلة إسلامية للأطفال تحت اسم (الفردوس) سنة 1969م، وهو من أقام أوَّل مؤتمر لثقافة الطفل عام 1970م، وقد أنشأ جمعية ثقافة الأطفال، كما إنه أوّل من قدَّم عملًا إذاعيًّا للأطفال، وقد حاز على كثير من الجوائز وشهادات التقدير في مصر وغيرها، منها جائزة الملك فيصل في الأدب العربي.

كتب الأستاذ عبد التواب يوسف مئات القصص والكتب للأطفال، (أكثر من سبعمائة كتاب) منها: حياة محمد -صلى الله عليه وسلم- في عشرين قصة، وقد طُبِعت منه سبعة ملايين نسخة، وله للكبار أربعون كتابًا. اتسمت كتباته إجمالًا بعذوبة الأسلوب ورصانته، ودقة المعلومات، وقد تميّز بثقافته الواسعة، والحرص على تقديم كل ما هو مفيد.

أدرك في وقت مبكر أن الأطفال هم الأمل، وهم الباب الأوسع والطريق الأهم إلى مستقبل أمتنا، فلم يتوانَ لحظة عن أن يقدم لهم حياته كاتبًا ومفكّرًا، من خلال مئات الكتب والقصص، وهو يدرك جيدًا أن التعرض للكتابة للطفل يتطلَّب وعيًا خاصًّا بالطفل وعالمه، وطريقة تفكيره وفهمه لما يرى ويسمع من كلام، وفهمه لدلالات الألفاظ، ومستوى التراكيب اللغوية، وما يطرب له ويقبل عليه وما ينفر منه.. فكان من القلائل الذين نهضوا في وقت مبكر بهذا الشأن، وتركوا بصمات واضحة ومؤثرة فيما قدموه للأطفال، في الوقت الذي استنكف فيه الكثيرون عن الكتابة للطفل ظانين أنها سهلة المأخذ تقلل من شأن القائم بها، وهذا غير صحيح.

اتسم إبداع الأستاذ عبد التواب يوسف للأطفال بالتنوع الجميل، فاستلهم الفلكلور العالمي، والتراث الديني، والتاريخ العربي، كما وظَّفَ الثقافة العربية والبيئات العربية فيما قدمه وأبدعه للأطفال باقتدار عجيب، وأنقل هنا إحدى قصصه؛ ليطلع القارئ على جانب من أسلوبه الأخَّاذ، وفكره المستنير المنير، فهذه قصة له سمَّاها: القصيدة.

(1)

(كان الصغير «محمد العوني» يعتقد أن أمّه تتبادل الحديث مع الناقة.. فهو يرعى إبل القبيلة ويرجع إلى مضارب الخيام عند المساء، وتأخذ أمّه هذه الناقة إلى ما وراء الخيام، وتعود بعد لحظات تحمل بين يديها الإناء الكبير، وتهتف بابنها:

شكرًا لك يا محمد.. اليوم كان اختيارك للمرعى جيدًا، فقد أكلت الإبل عشبًا أخضر ولفترة طويلة.. كنت راعيًا طيبًا.. ومسئولا بحق عن رعيتك من الإبل!

لكن الأم في يوم آخر تصرخ في ابنها:

محمد.. لقد كنت اليوم تلعب، ولم ترعَ الإبل، والناقة كما يجب.

ويندهش الصغير: كيف تعرف أمّه ما يحدث هناك في المرعى..؟ هل تبوح الناقة الوالدته بما وقع وجرى وحدث..؟ هل تحكي لها الناقة كيف ربطها إلى نخلة قرب البئر وراح يجري ويلعب مع أصحابه ورفاقه..؟ ثم هل تفهم أمّه لغة الناقة وتفهم الناقة كلامنا..؟ إن في الأمر سرًّا لا يعرفه.

وكان السرّ بسيطًا: إن كمية اللبن التي تحلبها الأم هي التي تشي بالصغير دون أن يدري.. إن قدمت الناقة الكثير عرفت الأم أن ابنها أحسن رعايتها، وإن حلبت القليل أدركت الأم أن الناقة لم تحصل على كفايتها من الطعام.. لكن الصغير لم يكن يعرف ذلك، ويظن أن الناقة هي التي تشي وتشكو لوالدته، وكثيرًا ما عاقب الناقة المظلومة أثناء وجودها في المرعى، فيُخفي عنها وليدها.. وتضيق هي بذلك وتمتنع عن الطعام، وتروح تبكي إلى أن يعيد إليها ابنها.

وذات يوم، قَدِمَ ضيوف من قبيلة أخرى، وأرادت قبيلة الصغير (محمد) أن تكرم القادمين؛ فأخذت الجمل الصغير -ابن الناقة- وقدمته طعامًا لضيوفها، وحزن الصغير، لكن الناقة اشتد بها الألم والأسى، فامتنعت عن الأكل والشرب، بل كانت ترفض الخروج إلى المرعى مع (محمد) وتبكي طيلة الوقت، وكان صوت نواحها يُمزّق القلب، وما كان الصغير محمد يطيقه، ولا كان يحتمله.. وكثيرًا ما هرب منه.

(2)

ومضت سنوات، كبر خلالها «محمد» ولكن صوت الناقة ظل يتردد في أذنيه. كان كلما شعر بالحزن لأمر ما تذكر نواح الناقة، وكأنه طبول عالية تدوِّي، تحملها إليه آلات تكبير الصوت، والميكرفونات، فيضع يديه على أذنيه يريد أن يخفف من وقع الصوت، فلا يقدر.. حتى صار يعتقد أن البكاء يأتيه من داخله، ومن نفسه، من صدره ومن قلبه.. خاصة عندما يسمع أخبار النزاع الذي نشب بين قبيلته والقبيلة التي جاءتهم يومًا، وقدموا لها وليد الناقة طعامًا.. ولقد اشتد الخلاف، وبدأت المناوشات بينهما، ثم اندلعت الحرب.. وسمع «محمد» ذلك «الخلوج» أي صوت الناقة التي تنوح على ولدها.. سمعه عاليًا مدويًّا. خاصة حين أدرك عن يقين أن النصر لم يكن من نصيب قبيلته، بل لقد واجهت هزيمة مريرة ونكسة كبيرة، على أثرها غادر أفراد القبيلة وطنهم، ومضارب خيامهم، ورحلوا عن جزيرة العرب إلى الشام.. تفرقوا.. تشتتوا.. تبعثروا.. لا أمل لهم في أن يستردوا كرامتهم وأرضهم ووطنهم، ولا قدرة لهم على الثأر من القبيلة الأخرى التي احتلت مراعيهم، واستولت على مضارب خيامهم.

وحزن «محمد العوني» حزنا شديدا، كاد يقتله.. حزن مثل ناقته يوم أخذوا وليدها.. وراح ليل نهار يتجول في الصحاري، والصوت الباكي ينبعث عاليًا صاخبًا من داخله: في صدره، ويندلع من رأسه كالنار، ويفرش كل الوجود من حوله، وعاد لا يقدر على ابتلاع طعامه وشرابه، ولا يفكر ليل نهار إلا في النكسة.

(3)

كانت حالة محمد أشبه بتلك المحارة التي تتساقط دموعها، لتتكون اللؤلؤة وكانت هناك لؤلؤة تتكون داخل نفس «محمد» وفي صدره، دون أن يتنبه أو يدري.. تُرَى ما هي هذه اللؤلؤة؟

نحن العرب، كانت لؤلؤتنا دائما هي: قصيدة الشعر، تتبلور في قلب الشاعر وعقله، وتتكون طبقاتها -أقصد أبياتها- واحدة بعد الأخرى، وكما تتفتح الصدفة عن اللؤلؤة تتفتح نفس الشاعر عن القصيدة، وهكذا تفجرت نفس «محمد» بالكلمات وصرخ بقصيدة رائعة عنوانها «الخلوج».

سمع الناس القصيدة، وكأنما تلقفتها آلاف الميكرفونات التي لم تكن الجزيرة العربية قد عرفتها بعد، لكن القصيدة أذيعت على جميع الموجات، وعلى كل الناس، وتناقلها العرب وراحوا ينشدونها.. كانت تتحدث عن الناقة التي فقدت وليدها، والقبيلة التي فقدت وطنها.. وكان الشاعر كأنَّه أمٌّ ثكلى، أي فقدت وليدها.. وكان الحزن في القصيدة عميقًا كبحر، صادقًا كلؤلؤة، رائعًا كالناس في أرضنا وجزيرتنا.

ووصلت القصيدة إلى الشام، حيث يعيش أفراد قبيلة محمد العوني هزت منهم الأسماع والصدور والقلوب. حفظوها.. رددوها.. لم يبق واحد منهم -صغير أو كبير- إلا وقد أصبح يتغنى بها لنفسه ليل نهار. ولم يحتمل أفراد القبيلة صوت الخلوج الذي يعتمل في نفوسهم. تجمعوا من جديد وحملوا السلاح، وراح صوتهم يعلو بكلمات القصيدة، وهم عائدون راجعون إلى وطنهم ومضارب خيامهم.

من جديد، نشبت الحرب..

هل نحن في حاجة إلى أن نقول: إن قبيلة «محمد العوني» قد انتصرت واستردت وطنها وأرضها..؟ وهل لا بُدَّ وأن نقول: إن قصيدته «الخلوج» كانت وراء هذا النصر..؟!)

انتهت قصة الرائد الكبير الأستاذ عبد التواب يوسف.

أرأيت كيف أصطحب الصغار في هذه القصة إلى ما قبل مئات السنين  حيث المجتمع العربي قديمًا؟ وكيف أسقطها على واقعنا الآن..؟ وكيف دمج بين فقد الناقة لولدها وفقد القبيلة لوطنها وفقد الأمة كلها الآن لجزء غال من الوطن العربي.؟! وكيف استحثَّ همم الشعراء والأدباء ليجهروا بالقضية..؟! وكيف أيقظ مشاعر النخوة والشرف؟ وكيف زرع الأمل والبأس وقتل الإحباط واليأس..؟! ثم ترك النهاية مفتوحة.. في إشارة ذكية إلى أن القضية الأساسية والأهم في حياة كل عربي معتزٍّ بعروبته لم تزل قائمة ولم تُحسم بعد..؟!

ولم ينسَ لحظة أنه يكتب للصغار، وكأنه يتخيلهم وهم متحلقون حوله، فحرص على شرح أية كلمة يظنها صعبة الفهم لديهم، أو غامضة عليهم بمثل قوله: (وكان الشاعر كأنَّه أمٌّ ثكلى، أي فقدت وليدها).  

وأختم كلامي عن ذلك الرائد الكبير بموقف من مواقفه الكثيرة الغرَّاء: في إحدى اللقاءات لتكريم حفظة القرآن الكريم من الأطفال.. تطاول أحد الجهلاء على حفظ القرآن الكريم، وادعى أنه يصيب الطفل بالبلادة ويقتل مَلَكة التفكير.. وإذا بالأستاذ الكبير العملاق (عبد التواب يوسف) يفاجئ الجميع برد عملي مبدع على هذا المتطاول؛ فأدنى منه بعض الأطفال من حفظة القرآن الكريم ومن غير الحفظة.. ثم طلب أن يذكر كلٌّ منهم عشرة استخدامات للحَبْلِ غير أننا نربط به الأشياء.. وإذا بحفظة القرآن يذكرون بسرعة بديهة عجيبة أكثر من عشرة استخدامات؛ منها نشر الغسيل وجرِّ السيارات وصنع شبكات الكرة وغيرها... في أقل من دقيقتين.. بينما الآخرون لم يذكوا شيئًا..!!! فصرف الأستاذ الكبير الأطفال وشكرهم دون أن يُحرج أحدهم، ودون أن يعرفوا سرَّ ذلك الاختبار المباغت.

ثم نظر الأستاذ الكبير (عبد التواب يوسف) إلى ذلك الذي تطاول على حفظ القرآن الكريم وسأله بابتسامة متعجبة: على أي أساس بنيت حكمك..؟!! فَبُهِتَ المُتَطَاول ولم يُحِر جوابًا.

هذه لفتة بسيطة من لفتات الراحل الكبير الذي ودعناه. ولَكَمْ تعلمنا منه.

23365223

د.محمود خلف :

هي: عائشة عصمت بنت إسماعيل باشا تيمور بن محمد كاشف تيمور، أديبة فاضلة، حكيمة عاقلة، بارعة باهرة، شاعرة ناثرة. تنتمي إلى الأسرة التيمورية ذات الأثر في الثقافة العربية الحديثة، فأخوها أحمد باشا تيمور مؤسس المكتبة التيمورية والمؤلف أيضا، وابنا أخيها: محمد تيمور الكاتب المسرحي وأحد رواد فن القصة القصيرة، ومحمود تيمور رائد الواقعية في الأدب العربي الحديث.

ولدت سنة (1256 هـ/1840م) في مدينة القاهرة، والدتها شركسية الأصل. والدها إسماعيل باشا تيمور. رضعت عائشة الأدب وهي في مهد الطفولة، وتحلت بحلي لغات العرب قبل تضلعها باللغات التركية، وفاقت أقرانها فصاحة عند بلوغها سن الرشاد، وصارت ندرة زمانها بين أهل الإنشاء والإنشاد، وسارت في مضمار أدباء هذا العصر.

تعلمت العلم والأدب في مصر على أساتذة أفاضل بين أبويها، وكان أكثر ميلها إلى علم النحو والعروض حتى بلغت في الشعر حدا لم يبلغه غيرها من نساء عصرها. ولما انطوى بساط مهدها، وفرقت بين أبيها وجدها، بادرت والدتها إلى تعليمها فن التطريز، واستحضرت لها آلات التعليم، وكانت أفكارها غير متجهة لتلك، بل جل مرغوبها تعلم القراءة والكتابة، وقد علم منها هذا الميل من ائتلافها مع كتاب والدها، وكلما كانت والدتها تمنعها عن الحضور مع الكتاب وتجبرها على تعلم التطريز، تزداد هي نفورا من طلب والدتها.

ولما رأى والدها تلك المحاورات تفرس فيها النجابة، وقال لوالدتها: «دعيها فإن ميلها إلى القراءة أقر». وأحضر لها اثنين من الأساتذة: أحدهما يدعى إبراهيم أفندي مؤنس؛ كان يعلمها القرآن الكريم والخط العربي والفقه. والثاني يدعى خليل أفندي؛ كان يعلمها علم الصرف واللغة الفارسية.

وبعدما تعلمت القرآن الكريم تاقت نفسها إلى مطالعة الكتب الأدبية - وأخصها الدواوين الشعرية - حتى تربت عندها ملكة التصورات لمعاني التشبيهات الغزلية وخلافها، ولما صارت قريحتها تجود بمعان مبتكرة لم يسبقها إليها غيرها، رأى والدها أن يستحضر لها أساتذة عروضيين من النساء الأديبات. وقبل إتمام ذلك صار زواجها من السيد الشريف محمود بك الإسلامبولي، وذلك كان في سنة (1271هـ/1853م).

وهنالك اقتصرت عن المطالعة وإنشاد الأشعار، والتفتت إلى تدبير المنزل وما يلزم له، خصوصا حينما رزقت بالأولاد والبنات، وبقيت على ذلك حتى كبرت لها بنت، كان اسمها توحيدة، فألقت إليها زمام منزلها، وفي تلك الفترة توفي والدها في سنة (1289هـ/1872م)، وزوجها في سنة (1292هـ/ 1875م)، وصارت حاكمة نفسها، فأحضرت لنفسها اثنتين لهما إلمام بالنحو والعروض: إحداهما: تدعى فاطمة الأزهرية. والثانية: ستيتة الطبلاوية - وصارت تأخذ منهما النحو والعروض حتى برعت وأتقنت بحوره وأحسنت الشعر، وصارت تنشد القصائد المطولة والأزجال المتنوعة، والموشحات البديعة التي لم يسبقها أحد إلى معانيها، ومن ذلك قد جمعت ثلاثة دواوين بثلاث لغات: العربية، والتركية، والفارسية.

وقبل أن تشرع في طبعها توفيت كريمتها توحيدة، وهي في سن الثامنة عشرة من عمرها، فاستولى عليها الحزن والأسف الشديد، حيث إنها كانت مدبرة منزلها، ولم تحوجها إلى أحد سواها، وهناك تركت الشعر والعروض والعلوم وجعلت ديدنها الرثاء والعديد والنوح مدة سبع سنوات حتى أصابها رمد العيون. ثم قللت شيئا فشيئا من البكاء والنوح حتى شفاها الله من مرض العيون. فجمعت ما وجدته من أشعارها فوجدت بعضه والباقي تفرق مدة حزنها، فجاء منه ديوان بالتركية سمته «شكوفة»، وديوان عربي سمته «حلية الطراز»، وكان له وقع عظيم في النفوس وقبول زائد عند أهل الأدب. وبعد ذلك، رأت نفسها أنها قادرة على التأليف فألفت كتابا سمته «نتائج الأحوال في الأقوال والأفعال». ولها رواية تمثيلية (مسرحية) بعنوان: «اللقا بعد الشتات». ولها رواية أخرى بخطها، لم تكتمل، ورسالة أخرى في الأدب بعنوان: «مرآة التأمل في الأمور». ولما انتشرت مؤلفاتها - المذكورة - سار في حديثها الركبان إلى أقصى العمران، وطار صيتها في الآفاق، ووردت إليها التقاريظ من كل أديب.

نماذج من شعرها :

قالت في الفخر:

بيد العفاف أصون عز حجابي

وبعصمتي أسمو على أترابي

وبفكرة وقادة وقريحة

نقادة قد كملت آدابي

فجعلت مرآتي جبين دفاتر

وجعلت من نقش المداد خطابي

ما عاقني خجلي عن العليا ولا

سدل الخمار بلمتي ونقابي

عن طي مضمار الرهان إذا اشتكت

صعب السباق مطامح الركاب

بل صولتي في راحتي وتفرسي

في حسن ما أسعى لخير مآب

نماذج من النثر

وكتبت السيدة عائشة تيمور إلى السيدة وردة اليازجية (ت1313هـ/1895م):

«استهل براعة سلام مل الشوق وتقلد الشقق ما نشقت ناشقة عف الوداد كفالته ورضيت المجال في صدق المقال لنطق بخالص الوفاء مداد حروفه، وأقام بأداء التحية العاطرة قبل فض ختام مظروفه، ولعمري قد توجته أزهار الثناء بلآلئ غراء كللته زواهر الوفاء من خالص الوداد إلى حضرة من لا تزال تستروح الأسماع بنسيم أنبائها صباح مساء، وتتشوق الأرواح إلى استطلاع بدر إنسانها الكامل أطرافا وآناء، ومما زادني شوقا إلى شوق حتى لقد شب فيه طفل الشفق تعن الطوق اجتلائي حديقة «الورد» القدسية ونافجة الأدب المكية فيا لها من حديقة رقمتها أحداق الأذهان فاقتبست نورا وأنشقتها مسام الآذان فثملت طربا وسرورا.

ولعائشة تيمور قصائد مختلفة في الأوصاف والأخلاق والغزل والمديح، وإنما أخذت في كل ذلك مأخذ كتاب زمانها، فلم تعالج المواضيع المبتكرة. وكذلك نثرها لا يخلو من التصنع في نظم سجعاته. هذا فضلا عما يحتويه من التخيلات والأقاصيص المصنوعة التي قصدت بها ترويح الأفكار وتلهية الأحداث.

ومع ذلك، فإنني أستطيع القول إن شعر عائشة التيمورية يعد طليعة الشعر العربي «النسوي» في العصر الحديث، هو بديباجته وأسلوبه أقرب إلى الموروث، وبمحتواه وتنوعه الموضوعي أقرب إلى حياة صاحبته وتجاربها، كان لموقعها في أسرة مستنيرة تأثير إيجابي على تكوينها الثقافي وإبداعها الشعري. وبعض صور الغزل في شعرها - مثلها مثل صور البكاء على ابنتها - تنم عن صدق الإحساس، وخصوصية الشعور الأنثوي.

9 28 2015 9 18 27 AM

أحمد أمين :

يمتلئ تاريخنا العربي بآلاف الرحلات العلمية، والثقافية، والسياسية، التي قام بها علماء المسلمين ورحالتهم، منها ما تم نشره وتقديمه للقارئ، وكثير منها تم تجاهلها ونسيانها، وتركها حبيسة بطون الكتب.

ومن تلك الرحلات رحلة السفير أحمد بن فضلان إلى بلاد الصقالبة والبلغار وروسيا والدول الإسكندنافية (الدنمارك، السويد، فنلندا، النرويج، وآيسلندا).

تلك الدول التي أصبحت تدين بالفضل لابن فضلان ورحلته التي وثقها بنفسه بعد عودته إلى بغداد، لتصبح كتاباته تلك هي أول وصف موثق لهذه الدول في تلك الحقبة الزمنية المظلمة في تاريخ هذه الدول.

وقد وصف جغرافيتها، وعادات شعوبها، وحالتها الاجتماعية والسياسية والدينية، لتصبح كتاباته وسجلاته المرجع التاريخي الأول للباحثين في حياة تلك الدول والشعوب.

التعريف بصاحب الرحلة

 هو أحمد بن فضلان بن العباس بن راشد بن حماد (1)، عاش ما بين النصف الثاني من القرن الثالث والنصف الأول من القرن الرابع الهجري (التاسع والعاشر الميلادي).

كان من موالي فاتح مصر محمد بن سليمان المنفق الكاتب (2).

كان ابن فضلان رجل دولة ذا عقل راجح وبصيرة ثاقبة، وفهم وعلم يؤهلانه إلى استنباط الأمور وإدراك الحقائق وتفهم عادات وتقاليد الشعوب المختلفة، فضلا عن كونه كاتبا وأديبا.

كان ابن فضلان رجلا تقيا ورعا، شديد الإيمان بالله، عظيم التمسك بدينه وأخلاقه وتقواه، لا يخون الأمانة ولو خانها رفاقه، ولا يفتر عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طوال الرسالة، فتراه يتضرع إلى الله أن ينجيه من شر ما يلقاه، ويبرأ إليه من شرور الناس الذين يراهم في طريقه، ويتقزز من القذارة والأوساخ، ويهوله أن يرى النساء إلى جانب الرجال، بل يفزعه أن يراهن في عري مخجل، فيدعوهن إلى التستر، وكم ستر وجهه حين تكشف النساء عن عوراتهن.

وكان يرتجف لسماع أسئلة ملؤها الكفر، فيستغفر الله لسائله حين يقول له: «ألربنا عز وجل امرأة؟».

وغمه أن يسجد أقوام لخشب ينحتونه على أشكال مخزية، أو يتخذوا أربابا كثيرة، فيتلو للحال آية الله الكريمة: { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} (الإسراء:43).

وقد غضب ابن فضلان لانتهاك حرمة المسلمة حين ذكر أن ملك الخزر اليهودي يغصب المسلمة على الزواج منه (3).

بداية الرحلة

بدأت الرحلة عندما أرسل ملك الصقالبة (4)، الذي دخل في الإسلام هو وشعبه، إلى الخليفة العباسي المقتدر بالله (5) عام 921م، يطلب منه أن يرسل إليه من يعلمه أمور الدين الإسلامي ويبني له مسجدا، ويساعده في بناء بعض القلاع؛ لكي تحميه من قبائل اليهود الخزر (6) الذين عاثوا فسادا في أراضيه.

وأراد ملك الصقالبة أيضا أن يعلن دخوله في طاعة الخليفة وانضواءه تحت لواء الخلافة ليستظل بحمايتها وأمنها، وتصبح قوته مهابة، فأرسل الخليفة وفدا مكونا من بعض علماء الدين وبعض رجال الدولة، وجعل على رأسهم أحمد بن فضلان (7)؛ نظرا لمكانته العلمية والثقافية وإحاطته بعلوم الشريعة التي تؤهله أن يكون مشرفا على الفقهاء والمعلمين خلال تلك الرحلة.

وعلى الرغم من اتساع رقعة دولة الصقالبة، وسعة خراجها، وكثرة أموالها، فإن ملكها أرسل إلى الخليفة مستنجدا به، ومعلنا خضوعه للطاعة والولاء، وهذا الأمر يدعو إلى الزهو من جانب بغداد، ويوضح هيبة الخليفة، ويرسم مكانة السلطان في أوروبا آنذاك، خصوصا حين يستنجد به ملك لمملكة واسعة، ويسعى معه إلى حلف ثقافي ديني عسكري، كما نعبر عن ذلك اليوم (8).

وقد تم تشكيل وفد للسفارة تكون من أربعة أشخاص رئيسيين:

1ــــ أحمد بن فضلان (رئيس الوفد).

2ـــ تكين التركي.

3ـــ بارس الصقلابي.

4ــــ سوسن الرسي.

وقد تولى هؤلاء أمر الترجمة؛ لمعرفتهم وانتسابهم إلى تلك البلاد التي سوف يمر بها ابن فضلان، وكان بصحبتهم بعض الفقهاء والمعلمين وبعض من الخدم.

مسار الرحلة

غادرت السفارة بغداد في الحادي عشر من صفر عام 309هـ/21 يونيو 921م، ووصلت إلى بلغار في الثامن عشر من المحرم عام 310هـ/12 مايو 922م؛ وقد مرت في طريقها بهمدان والري ونيسابور ومرو وبخارى، ومر أيضا ببلاد الترك (9)، حيث التقى ابن فضلان في سبتمبر من عام 921م بوزير السامانيين (10) والعالم الجغرافي الشهير الجيهاني (11).

وكانت الرحلة ممتلئة بالمغامرات والمشاق والصعوبات السياسية والانفتاحات على الآخر المختلف ثقافيا واجتماعيا وسياسيا.

وصلت سفارة ابن فضلان إلى ملك الصقالبة، الذي رحب بهم واحتفى بقدومهم، وقرأ عليه ابن فضلان كتاب الخليفة، وأعلن ملك الصقالبة الخضوع والانضواء تحت لواء الخلافة، وبعد ذلك قام الفقهاء والمعلمون بتعليم الصقالبة بعض آيات القرآن وبعض الأمور الفقهية.

وأنشأ ابن فضلان مسجدا كبيرا للصقالبة، وأشرف على بناء بعض  القلاع وتحصينها.

وقد سلم ابن فضلان لملك الصقالبة كمية كبيرة من الأدوية كان قد طلبها ولم تكن معروفة عند الصقالبة ففرحوا بها كثيرا.

مدة الرحلة

استغرقت الرحلة حوالي 4 سنوات، منها أحد عشر شهرا في طريق الذهاب، طاف خلالها ابن فضلان وأعضاء سفارته، فيما كان يسمى في ذلك الوقت ببلاد الشمال (الدول الإسكندنافية)، أو بلاد مقاتلي الفايكنج الشرسين، والذين كانوا عبارة عن قبائل وثنية همجية، تقوم حياتها على السرقة والنهب، فاحتك بهم ابن فضلان، وتحدث عنهم باستفاضة، وأطلق لقلمه العنان ليسجل للتاريخ كل ما تقع عليه عيناه، واصفا حياتهم ومعتقداتهم وعاداتهم وتقاليدهم.

كما تحدث ابن فضلان عن بلاد الروس (روسيا)، ووصفها بدقة بالغة، وتحدث عن حياتهم الاجتماعية وعن دياناتهم المختلفة وعاداتهم الغريبة.

مشاهد من الرحلة

قدم ابن فضلان في رسالته وصفا دقيقا لتلك الدول التي زراها، مبينا طبيعتها الجغرافية والسكانية، واستفاض في الحديث عن طقسها ومناخها، ثم وصف بعد ذلك الحياة الاجتماعية والسياسية والدينية والاقتصادية لتلك الدول.

في ذلك التوقيت، كانت تلك البلاد غارقة في ظلام عميق وجهل مطبق وعادات غريبة؛ لذلك كان ابن فضلان يندهش كثيرا مما يراه، مثل: قتل الجارية ودفنها مع سيدها حتى تخدمه في العالم الآخر.

ووصف ابن فضلان الروس بقوله: «ورأيت الروسية وقد وافوا بتجاراتهم، فنزلوا على نهر إتل، فلم أر أتم أبدانا منهم، كأنهم النخل شقر حمر، ومع كل رجل منهم فأس وسكين وسيف لا يفارقوه أبدا» (12).

كما تكلم عن تقاليد وعادات هذه الشعوب عند موت أحدهم، وكيف يتم حرق جثثهم بعد الموت في مراسيم وطقوس تصاحبها تضحية بشرية.

كما تناول ابن فضلان الحياة الاقتصادية للروس، والتي كانت تقوم على تجارة الرقيق الأبيض، وبيع الفراء التي كانوا يتحصلون عليها من صيدهم الوفير في تلك المناطق.

أما عن حياتهم الدينية، فقد ذكر ابن فضلان عبادتهم للأوثان، وعدم معرفتهم بالأديان السماوية.

أما عن العلوم الطبية لدى تلك الدول، فلم يكونوا يعرفون عنها شيئا، وإذا مرض أحدهم حملوه وحده في خيمة بعيدة، ووضعوا معه طعاما وشرابا حتى يبرأ أو يقتله المرض فيحرقون جثمانه.

وكذلك وصف طرق تناول طعامهم وأنواعه، التي كان يراها ابن فضلان مقززة، فهو القادم من بغداد، عاصمة العالم آنذاك، مدينة العلم، ففي الوقت الذي كانت تنعم فيه بلاد المسلمين بنور العلم، كانت أوروبا غارقة في ظلام الجهل، لذا تأثر كثير ممن التقى بهم ابن فضلان بعلمه ومعرفته وثقافته.

وقد ذكر ابن فضلان في رسالته رؤيته لغرائب وعجائب في تلك الرحلة، فذكر أنه رأى جثمان رجل طوله اثنتا عشرة ذراعا، ورأسه كأكبر ما يكون من القدور، وأنفه أكبر من شبر، وعيناه عظيمتان، وأصابعه كل واحدة شبر.

وقد تحدث ابن فضلان أيضا عن الطقس البارد الذي تشتهر به تلك البلاد، خاصة خوارزم (13)، فقال: «ورأيت نهر جيحون وقد تجمد تماما، وسُمك الجليد تسعة عشر شبرا، وكانت الخيل والبغال والحمير والعجل تجتاز عليه كما تجتاز على الطرق، وهو ثابت لا يتخلخل» (14).

وقال أيضا: «كنت أخرج من الحمام فإذا دخلت إلى البيت نظرت إلى لحيتي وهي قطعة واحدة من الثلج حتى كنت أدنيها إلى النار».

أثر رحلة ابن فضلان العلمي والثقافي

كان لرحلة ابن فضلان الفضل الكبير في معرفة عادات وتقاليد تلك الشعوب التي مر بها أثناء رحلته، وتعتبر رسالة ابن فضلان هي المرجع الأول للباحثين عن حياة تلك الشعوب في تلك الحقبة.

وقد تناولت كتب الجغرافيا والرحلات رسالة ابن فضلان، التي ذكر فيها رحلته، باهتمام كبير، وأصبح مصدرهم الأول في توثيق حياة تلك الشعوب وعاداتها ووصف جغرافيتها وطبيعتها.

ومن أشهر من نقل عن أحمد بن فضلان ياقوت الحموي في كتابه «معجم البلدان»، ونقل عنه أيضا القزويني في كتابه «آثار البلاد وأخبار العباد».

كان لرحلة ابن فضلان صدى واسع في بلاد أوروبا، وتلقفها الباحثون الغربيون بالبحث والتدقيق والمراجعة، وخرجت عشرات الكتب والمراجع التي تتحدث عن ابن فضلان ورحلته العلمية الثقافية، والتي كان لها الفضل الأول في معرفة جوانب الحياة المختلفة، وطبيعة الشعوب في تلك الفترة الحالكة السواد في ذلك الجانب من العالم، وقد ترجمت رحلة ابن فضلان إلى معظم اللغات الأوروبية، وصدر عنها الكثير من التحليلات والمناقشات.

يقول المستشرق فرهن في مقدمة دراسته لابن فضلان: «إن تاريخ روسيا، وما جاورها في العصور القديمة، غير معروف، وما زال غامضا مبهما في أكثر نواحيه، ولم يضئ من جوانبه أحد من الأوروبيين، فإذا كان الغرب قد أغفلوا روسيا، فإن العرب والشرقيين قد تحدثوا عنها، فألقى العرب أنوارا كثيرة على تاريخ الغرب القديم، وأدلوا بمعلومات نافعة، وخاصة عن البلغار وروسيا في عهدها البعيد» (15).

ابن فضلان في عيون الغرب

وفي تناول المصادر الغربية لرحلة ابن فضلان، نسج حولها الكثير من الأساطير والروايات الخيالية، والتي كان ابن فضلان مصدر إلهامها، وهو بطلها، كرواية «آكلي الموتى»، لمايكل كريتشتون (1974م)، والتي تحولت إلى فيلم سينمائي «الفارس 13»، من بطولة أنطونيو باندايراس، ومعه الممثل المصري عمر الشريف.

ويوضح الفيلم الفارق الكبير بين ابن فضلان القادم من بغداد بعلمه وأدبه وحنكته، وبين قبائل همجية بلا علم ولا أدب.

ويظهر الفيلم أيضا تأثر مقاتلي الفايكنج بابن فضلان وشجاعته وجرأته، وإن كان كريتشتون في روايته حاول كثيرا الانتقاص من قدر ابن فضلان ووصفه بالجبن والخوف، محاولا أن يبخس ابن فضلان حقه ويقلل من شأنه، لكن رسالة ابن فضلان تبرز شجاعته وإقدامه على الدخول في بلاد غريبة يمتاز أهلها بالشراسة والقسوة، حتى بعد أن نصحه أمير خوارزم في بداية الرحلة بعدم التوغل في بلاد الترك؛ خوفا عليه منهم، لكن ابن فضلان رفض وأكمل رحلته بشجاعة وبسالة حتى أدى سفارته وواجبه، وعاد إلى بغداد ليدون تلك الرسالة الخالدة، التي تجلت فيها آيات العظمة والقوة عند المسلمين، مبرزا ذلك الدور القوي لحبل الخلافة، الذي كان بمنزلة الأمن والأمان لمن يلجأ إليها وينضوي تحتها.

الهوامش :

(1) الأعلام للزركلي، (1/195- 196).

(2) أحد قادة العباسيين الذي أعاد مصر إلى الخلافة العباسية مرة أخرى بعد أن استقل بها أحمد بن طولون.

(3) رسالة ابن فضلان، تحقيق سامي الدهان، ص:26-27.

(4) الصقالبة: هم سكان شمال القارة الأوروبية، وكانوا يسكنون على أطراف نهر الفولغا، وتقع عاصمتهم بالقرب من «قازان» اليوم في خط يوازي مدينة موسكو.

(5) أحد خلفاء العباسيين (297 - 357هـ / 910 - 968م).

(6) قبائل يهودية كانت تسكن منخفض الفولغا جنوب روسيا.

(7) انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي، (1/322).

(8) رسالة ابن فضلان، تحقيق د. سامي الدهان، ص:23.

(9) ما يعرف اليوم بدول وأقاليم أوزبكستان وأذربيجان وتركمانستان وقرغيزستان وكازاخستان.

(10) سلالة تركية حكمت بلاد ما وراء النهر وأجزاء من فارس وأفغانستان (261هـ/875م - 389هـ/999م).

(11) عالم جغرافي مسلم، عاش في القرن الرابع الهجري، استطاع رسم الكرة الأرضية، وتحديد موقع مكة المكرمة عليها بدقة شديدة.

(12) رحلة ابن فضلان إلى بلاد الترك والروس والصقالبة، الناشر: دار السويدي، أبوظبي، ص:100.

(13) إمبراطورية من العصور الوسطى كانت في وسط آسيا ضمت بخارى وسمرقند ومعظم بلاد فارس في زمن السلاجقة الترك في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وغزاها المغول بقيادة جنكيز خان وقضوا عليها (1218 – 1224).

(14) معجم البلدان لياقوت الحموي، (2/186).

(15) رسالةابنفضلان،تحقيقساميالدهان،ص:29.

hosary

القاهرة - محمد عبدالعزيز يونس:

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. السلام عليكم ورحمة الله" بهذه العبارة التي نرددها في ختام كل صلاة، ختم الشيخ محمود خليل الحصري حياته، كان ذلك عشية يوم الاثنين الرابع والعشرين من نوفمبر لعام 1980، فور انتهائه من صلاة العشاء، ليختم بذلك حياة حافلة تجاوزت 63 عاما، قضاها خادما لآيات الذكر الحكيم.. وما بين الميلاد والوفاة رحلة طويلة من العطاء، نتعرف إليها في السطور التالية.

جامعة ولاية سونورا بالمكسيك تمنح عبد الوهاب زايد الدكتوراه الفخرية

سونورا – الوعي الشبابي: منحت جامعة ولاية سونورا بالولايات المتحدة المكسيكية شهادة الدكتوراه ...

حسن بن محمد يكتب: العيد.. وتعزيز القيم الأسرية

حسن بن محمد - كاتب وباحث - تونس: يعتبر العيد مناسبة للفرح والاحتفال لدى كل العائلات المسلمة، وهو ...

مواجهة الإلحاد بالعلم والعقل والدين.. كتاب جديد للدكتور خالد راتب

القاهرة – الوعي الشبابي: أصدر الدكتور خالد محمد راتب، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال