الأربعاء، 29 مايو 2024
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

281 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القاهرة – الوعي الشبابي:

هل حدث أن اقترح عليك إنستغرام أو فيسبوك إعلاناً لشيء فكّرت فيه للتوّ؟ فكّرت فيه فقط، ولم تبحث عنه على الإنترنت على الإطلاق؟

تتكرر هذه الحادثة مع مستخدمين كثر، وتثير لديهم "رعباً" من كون تلك المنصّات باتت كأنها قادرة على قراءة أفكارهم. لكن الأمر ليس غريباً تماماً، وليس عصياً على التفسير.

قد يعود ذلك (وفق bbc) إلى ما يُسمّى بـ"الفائض السلوكي" الذي يُستخرج غالباً من "قمامة" بياناتنا على الإنترنت. هذه البيانات التي نظنّها ضائعة أو غير موظّفة، هي في الواقع "دجاجة تبيض ذهباً" بالنسبة للمنصّات التجارية التي تتعلّم بواسطتها، مرّةً بعد أخرى، كيف تستهدفنا بشكلٍ أفضل.

ويحاجج البعض بأن خوارزميات الإنترنت - وهي العمليات الحسابيّة المصمّمة لجذب انتباه المستخدمين وفقاً لاهتماماتهم وتفضيلاتهم الشخصية - قد تعدّت مهمّتها الأساسية حتى أصبحت تتسم، بسبب سطوتها الراهنة وقوّتها التنبّؤية، بصفات "ميتافيزيقية" إن جاز التعبير، إذ باتت تشبّه بكونها "آلهة معاصرة". فنحن لا نراها ولا نعرف ماهيتها بالضبط، لكنها مع ذلك قادرة على التلاعب برغباتنا والتحكّم بمصائرنا بطريقة أو بأخرى.

ماذا نعني بـ"الفائض السلوكي"؟

عندما تتفاعل مع فيسبوك، على سبيل المثال، عن طريق الإعجاب بالمنشورات أو التعليق أو مشاركة المحتوى أو حتى مجرد مرورك على الصفحة الرئيسية للتطبيق، فإن المنصّة تجمع باستمرار بيانات عن سلوكك وتفضيلاتك.

تستخدم هذه البيانات بواسطة الخوارزميات لإنشاء ملف تعريف مفصّل عنك، بما في ذلك اهتماماتك وعاداتك وعلاقاتك وأمور أخرى. يمكن للمعلنين والجهات الخارجية الأخرى بعد ذلك الدفع لفيسبوك لاستهدافك بإعلانات مخصّصة بناء على هذه المعلومات، مما يزيد من احتمالية تفاعلك مع محتواهم.

بهذه الطريقة، يولد فيسبوك "فائضاً سلوكيّاً" باستخدام الخوارزميات لاستخراج بيانات قيّمة من تفاعلاتك، وتحقيق الدخل منها عن طريق بيع مساحة إعلانية تستهدفك شخصياً. هذه العملية هي ما تشير إليه الأكاديمية والباحثة الأمريكية شوشانا زوبوف على أنها تسليع البيانات السلوكية في تحليلها لما تسمّيه بـ"رأسمالية المراقبة".

تقول زوبوف إن البيانات الشخصية التي ننشرها كل يوم (منشور على فيسبوك وإعجاب على إنستغرام وبحث على غوغل...) تمثّل فائضاً سلوكياً تدرسه كتيبة من الخوارزميات التنبؤية.

وبات تحت تصرّف تلك الخوارزميات ملايين البيانات الشخصية التي تمكّنها من توقّع تصرّفاتنا ورغباتنا وتأطيرها وفقاً لما يناسب المعلنين. لذلك فإن عمالقة الويب مثل غوغل وآبل وميتا وأمازون ومايكروسوفت، أصبحوا "مرتزقة الشخصية" أي أنهم يرتزقون على التجربة الفردية لكلٍّ منّا، بحسب تعبير زوبوف.

ولكن ما هي الخوارزميات أصلاً؟

إذا أردنا أن نشرح لطفلٍ ماهية الخوارزميات على الإنترنت وكيف تعمل، يمكننا على سبيل المثال وصف مكتبة كبيرة تحتوي على عدد كبير من الكتب. الخوارزميات تشبه المساعدين الخاصّين الذين يتأكدون من أنه يمكننا العثور على الكتاب المناسب بسرعة. يستخدم هؤلاء رمزاً سرّياً للنظر في الكلمات الموجودة داخل الكتب ومساعدتنا في العثور على الكلمات التي نبحث عنها. هؤلاء المساعدون أذكياء للغاية ويسهلون لنا البحث عن أمور معيّنة على الإنترنت.

وبشكل عام، الخوارزميات هي مجموعة من التعليمات أو القواعد التي يجب اتباعها خطوة بخطوة لحل مشكلة أو إكمال مهمة.

على الإنترنت، تعمل الخوارزميات عن طريق معالجة البيانات وتنفيذ مجموعة من التعليمات لأداء مهام أو وظائف محددة. وقد صُمِّمت لتحليل وتنظيم كميات هائلة من البيانات لتوفير خدمات مخصّصة ونتائج بحث وتوصيات وغيرها. ثم تحوّلت هذه العمليات، حوالي سنة 2001، إلى قوة رأسمالية أخرى.

كيف جرى هذا التحوّل؟

عام 1996، اخترع لاري بيغ وسيرغي برين خوارزمية البحث على الويب باسم "بايج رانك"، لكنهما لم يتمكنا من جعلها تحقّق إيرادات مستدامة. وكان نموذج أعمال غوغل المبكر يعتمد على توفير خدمات الويب لبوابات مثل "ياهو" من خلال الترخيص، إضافة إلى الإعلانات المرتبطة بكلمات البحث الرئيسية.

بعد ذلك بدأت "فقاعة الدوت كوم"، أي مواقع الويب، وأصبح مستثمرو غوغل مهتمين بجدية بالعائدات المالية. خوفاً من الفقاعة وعواقبها، أعلنت غوغل ما يشبه حالة طوارئ، وذلك حين تعرّفت إلى قيمة "قمامة البيانات" التي ظلّت حتى ذلك الوقت تُخزَّن بشكل عشوائي ويتم تجاهلها من الناحية التشغيلية.

سنة 2001، لاحظت غوغل أنه يمكنها استخدام البيانات الناتجة عن بحث الأشخاص على الموقع وتصفحهم له، من أجل تحسين محرّك البحث وإنشاء خدمات مساعدة مثل الترجمة. ولكنها لاحظت أيضاً أن هناك بيانات جانبية يتم إنتاجها في هذه العمليات، وهي بيانات لم يكن الناس يعلمون أنهم يشاركونها. لذلك تُسمّى تلك البيانات التي كانت "تُرمى" من دون إيلائها أهمّية بـ"قمامة البيانات". لكن بعد ذلك، قرّر المعنيّون في الشركات العملاقة أن يستفيدوا من تلك البيانات، وبشكل أساسي من قيمتها التنبّؤية، لأغراض ربحية.

على سبيل المثال، توضح زوبوف، أنك حين تشارك منشوراً على وسائل التواصل الاجتماعي، سيكون مهماً لجمع تلك "القمامة" إن كتبت "سأقابل الأصدقاء الساعة 6:45 أو إذا اكتفيت بقول سوف أقابلهم لاحقاً". إذا كنت تستخدم علامات التعجب أو تستخدم نقاط الحذف في نهاية كل فقرة.

قد لا ننتبه إلى قيمة هذه البيانات، لكن الخوارزميات لا تستخدمها لتحسين المنتجات والخدمات فحسب، بل لإنتاج التنبؤ الذي أصبح أساساً لسوق الإعلانات الجديدة على المنصّات.

تقول الباحثة الأمريكية: "هذا هو الفائض الذي يجمعونه بعد ذلك لقيمته التنبؤية، ويستفيدون منه لإنشاء منتجات التنبؤ تلك، وكل هذا يحدث من دون إذننا، من دون علمنا. إنه يحدث بطريقة مصممة لتجاوز وعينا، إنه يحدث بطريقة مصمّمة لإبقائنا جاهلين".

عبر تقديمك تفاصيل بهذا القدر من الواقعية، سيسمح ملفّك الشخصي للخوارزميات أن تقدّم لك محتوى قادراً على تحفيزك واستمالتك بالطريقة المناسبة. وسيتحسّن ذلك مرةً بعد أخرى. ستقترح عليك منتجات ترغب بشرائها أو شخصيات قد تفضّل التصويت لها خلال الانتخابات، إضافة إلى محاصرتك خلال النقاشات في ما بات يُسمّى بـ"الفقاعة المعرفية" حيث يقدّم لك جانب السردية التي تميل إلى تصديقها أو الآراء التي تناسب قناعاتك فقط.

وعن مسألة قبول المستخدمين بخضوعهم لعملية استغلال البيانات على هذا النحو، تقول زوبوف: "حسناً، يمكنك الذهاب إلى الشركة وأن تطلب منهم البيانات التي لديهم عنك. ولكن البيانات التي سيقدّمونها لك هي البيانات التي قدّمتها لهم بالفعل، وليس البيانات العَرَضية أو الجانبية التي لا تعلم أنها تُستخدم أيضاً لاستهدافك بعد بيعها للشركات المعلِنة على هذه المنصّات".

ما هي "رأسمالية المراقبة"؟

في كتابها "عصر رأسمالية المراقبة: الكفاح من أجل مستقبل إنساني على الحدود الجديدة للسلطة"، تصف زوبوف مفهوم "رأسمالية المراقبة" كشكلٍ جديدٍ من أشكال الرأسمالية التي تحقق الربح من البيانات الشخصية المجموعة من خلال مراقبة أنشطة الأفراد عبر الإنترنت.

تقول زوبوف إن رأسمالية المراقبة تتعامل مع التجربة الإنسانية بكونها "مادة خام" يجب ترجمتها إلى بيانات سلوكية، تماماً مثلما وضعت الرأسمالية الصناعية يدها على الطبيعة، أو كما وضع مجتمع الاستهلاك بعد الحرب العالمية الثانية يده على رغبات الأفراد.

تقول زوبوف إن غوغل بالنسبة لرأسمالية المراقبة بمثابة شركة فورد للسيارات، وجنرال موتورز بالنسبة للرأسمالية الإدارية القائمة على الإنتاج الضخم.

تحتلّ رأسمالية المراقبة آخر المجالات التي بقيت حتى وقت قريب "خارج آلة الاستغلال من أجل تحقيق الربح". حتى الوقت الضائع للمستخدمين على منصّات التواصل الاجتماعي أصبح يمثّل منجم ذهب للشركات التجارية.

تقول زوبوف إنه إذا كانت رأسمالية المراقبة تختلف في كثير من النواحي عن تاريخ رأسمالية السوق، فهي تبقى في أحد الجوانب الرئيسية تحاكي نمط رأسمالية السوق، إذ أدرك المؤرخون منذ فترة طويلة أن الرأسمالية تتطور من خلال إتيانها بأشياء تعيش خارج السوق وإدخالها في ديناميكية السوق، بحيث يمكن تحويلها إلى سلع للبيع والشراء.

من هنا تقول: "مثلما سلّع الرأسماليون في البداية الأشجار، ثم سلّعوا العمل، الآن هم يسلّعون الحياة الفردية والخاصة".

وهي تحذر من أنه في هذا الشكل من الرأسمالية يمكن القضاء على "أثمن ما تم الاحتفاظ به في الطبيعة البشرية".

"انقلاب معرفي"

ترى زوبوف أن أفضل وصف لرأسمالية المراقبة أنها "انقلاب من الأعلى"، أي أنها ليست إطاحةً بسلطة، بل الإطاحة بسيادة الشعب، كما أنها تمثل قوة بارزة في الانجراف نحو إلغاء الديمقراطية، وهو الأمر الذي يهدد برأيها اليوم الديمقراطيات الليبرالية الغربية.

إذن، "الانقلاب المعرفي" أي الانقلاب الذي قامت به شركات التكنولوجيا لوضع يدها على المعرفة في المجتمع على النحو التالي: "في حضارة المعلومات، يتم تعريف المجتمعات من خلال أسئلة المعرفة، أي كيف يتم توزيعها، والسلطة التي تحكم توزيعها والقوة التي تحمي تلك السلطة. من يعرف؟ من يقرر من يعرف؟ من يقرر من يقرر من يعرف؟".

تقول زوبوف إن رأسماليّي المراقبة يمتلكون الآن الإجابات عن هذه الأسئلة، على الرغم من أننا لم ننتخبهم للحكم. هذا هو جوهر الانقلاب المعرفي برأيها: "إنهم يدّعون سلطة تقرير من يعرف من خلال تأكيد حقوق الملكية على معلوماتنا الشخصية والدفاع عن تلك السلطة مع القدرة على التحكم في أنظمة المعلومات والبنى التحتية الحيوية".

كما تعبّر عن قلقها بشأن الخصوصية، وبشأن الحق في الخصوصية الذي يمكّن المرء من اختيار مشاركة شيء ما أو إبقائه سرّاً. تقول إنه عندما نُحرَم من حقوق الخصوصية، يفقد المرء حقاً مهماً في اتخاذ القرار أيضاً.

وتوضح أن رأسمالية المراقبة تؤدي إلى إعادة توزيع هائلة لهذه الحقوق، إذ يحرم الأفراد بشكل متزايد من اختيار ما الذي يبقى سرّاً عن حياتهم وما الذي يريدون مشاركته. فيما أصبحت حقوق الخصوصية الخاصة بالأفراد عائدة في الوقت الحالي إلى رأسماليي المراقبة برأيها.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

جامعة ولاية سونورا بالمكسيك تمنح عبد الوهاب زايد الدكتوراه الفخرية

سونورا – الوعي الشبابي: منحت جامعة ولاية سونورا بالولايات المتحدة المكسيكية شهادة الدكتوراه ...

حسن بن محمد يكتب: العيد.. وتعزيز القيم الأسرية

حسن بن محمد - كاتب وباحث - تونس: يعتبر العيد مناسبة للفرح والاحتفال لدى كل العائلات المسلمة، وهو ...

مواجهة الإلحاد بالعلم والعقل والدين.. كتاب جديد للدكتور خالد راتب

القاهرة – الوعي الشبابي: أصدر الدكتور خالد محمد راتب، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال