الأربعاء، 29 مايو 2024
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الدكتور أحمد زكي عاكف وتأديب العلم

د. محمود صالح البيلي - دكتوراه في الأدب والنقد: قيض الله سبحانه وتعالى للعربية من الكتاب من جمع ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

279 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القاهرة – مسعود صبري:

العفو إكسير الأخلاق وروحها وأعلى مراتبها، وذلك أن الأخلاق في الإسلام لها مجالان كبيران: الأول: العدل، والثاني: الفضل، وبالعدل يقوم الميزان ويفصل بين الناس في الخصومة والمنازعات، وترد الحقوق إلى أصحابها..

أما الفضل فهو مرتبة أعلى، ويعد العفو جوهر الفضل، فإن كان القصاص والعقوبة من العدل الذي لا ينكر، فإن أعلى منه درجة العفو عن الناس، والصفح عنهم، والتنازل عن الحقوق، وهو من شيم الكرام، ولا يقدر عليه كل أحد، فأصحاب العفو هم أصحاب النفوس السامية، والأخلاق العالية، والقلوب النقية، فالعفو يحبه كل أحد، ولا يقدر عليه كل أحد.

ويتميز العفو بأنه من أفعال الترك، فالذي يعفو لا يفعل شيئا، ولكنه يترك حقا من العقوبة له على غيره، وهذا مما يميز الإسلام أن المرء يثاب على الترك كما يثاب على الفعل، والعفو من الثواب على الترك.

ولهذا عرفه الكفوي بقوله: «العفو: كف الضرر مع القدرة عليه، وكل من استحق عقوبة فتركها فهذا الترك عفو»(1).

وجوه العفو في القرآن

وقد جاء العفو في القرآن بمعان عظيمة ودلالات واسعة، تدل على عظم شأنه. وقد جعل أبو هلال العسكري العفو في القرآن على ثلاثة أوجه، هي:

الأول: الفضل من المال؛ قال تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ } (البقرة:219) يعني: الفضل والبر، وذلك أنهم حضوا على الإنفاق. في قوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ } (البقرة:267) وقوله: لُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } (البقرة:57) فسألوا عن القدر الذي ينفقون، فقال: ما يفضل عنكم ويسهل عليكم إنفاقه تنفقونه؛ وهو قليل لتنالوا به الكثير من الثواب.

الثاني: الترك؛ وهو قوله تعالى: { إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ } (البقرة:237) أي إلا أن «يتركن لكم ما يجب» لهن من «نصف» الصداق أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح يعني: الزوج، وعفوه أن يعطي المهر كاملا وليس هو الولي؛ لأنه ليس للولي أن يترك من مهر المرأة شيئا، ومثله قوله: { فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ } (البقرة:187) وقوله: { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} (البقرة:178).

الثالث: العفو عن الذنب؛ قال الله: { عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } (التوبة:43) وفي هذا دليل على أن الأنبياء يذنبون؛ لأنه إذا لم يكن ذنب لم يكن عفو ولكن ذنوبهم صغائر»(2).

وجعل ابن الجوزي العفو في القرآن على أربعة أوجه، هي:

الأول: الصفح والمغفرة. ومنه قوله تعالى: { وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ } (آل عمران:155)، وقوله: { عَفَا اللَّهُ عَنكَ } (التوبة:43).

والثاني: الترك. ومنه قوله تعالى: { إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ } (البقرة:237)، أراد: ترك المهر. وهذا قريب من معنى الأول.

والثالث: الفاضل من المال. ومنه قوله تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ }، وقوله: { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ } (الأعراف:199).

والرابع: الكثرة. ومنه قوله تعالى: { ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا } (الأعراف:95)، أي: كثروا، قاله: أبو عبيدة»(3).

العفو من أسماء الله وصفاته

قد حث الله تعالى على العفو والتحلي به، ومن تحلى بالعفو عن العباد؛ فقد اتصف بما اتصف به الرحمن سبحانه، فإن من أسمائه الحسنى وصفاته العلا أنه «العفو»، ولهذا قرن الله تعالى عفو المؤمنين بعضهم عن بعض باسمه العفو، فقال تعالى: { إِن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا } (النساء:149). ومن اعتاد العفو عن الخلق؛ استحق عفو الخالق، ومن عفا عن إخوانه في الدنيا؛ عفا الله عنه في الآخرة.

وقد جعل الله تعالى الجنة عاقبة العفو، فالعافون عن الناس من أهل جنته ورضوانه، كما قال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران :133-134).

العفو صفة الرسول في الكتب السماوية

ولما كان العفو من صفات الصالحين وسمات المتقين، فقد جاء وصف رسولنا ﷺ في الكتب السابقة بأنه يعفو ويغفر، كما ورد في صحيح البخاري عن عبدالله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما، أن عطاء بن يسار سأله أن يخبره عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، قال: أجل. والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح بها أعين عمي وآذان صم وقلوب غلف.

وقد ضرب النبي ﷺ المثل الأعلى لأمته في العفو، فكان ﷺ كثير العفو عمن آذاه وظلمه، وها هو يسطر لنا عفوه حين جاءه ملك يعرض عليه أن يطبق على المشركين الجبلين، فقال كما جاء في الصحيحين: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا».

وفي موقف النصر على المشركين الذين آذوه وطردوه من بلده سنين، ولما عاد إلى مكة فاتحا، صك لنا ما سطره التاريخ بقوله: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».

الحث على العفو

كما أمر الله تعالى نبيه ﷺ والأمة من بعده عامة وأولياء الأمور خاصة أن يتحلوا بالعفو؛ لان العفو من شيم الكبار، قال تعالى: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } (آل عمران: 159).

ولهذا ذكر عمر بن عبدالعزيز أن العفو من أحب الأمور إلى الله يوم القيامة، فعن سفيان عن رجل قال سمعت عمر ابن عبدالعزيز يقول أحب الأمور إلى الله ثلاثة العفو في القدرة والقصد في الجدة والرفق في العبادة وما رفق أحد بأحد في الدنيا إلا رفق الله به يوم القيامة(4).

وقد حث الرسول ﷺ أمته على العفو حتى في كبائر الأمور قبل صغارها، وألا يكون كل هم المسلم رفع قضية إلى القاضي ليحكم له، ولكن إن استطاع أن يعفو ويغفر عن أخيه فليفعل، فإن ذلك من عزم الأمور، كما ورد في الصحيحين عن عبدالله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «تعافوا فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب».

وقال أبو حاتم : «الواجب على العاقل لزوم الصفح عند ورود الإساءة عليه من العالم بأسرهم رجاء عفو الله جل وعلا عن جناياته التي ارتكبها في سالف أيامه؛ لأن صاحب الصفح إنما يتكلف الصفح بإيثاره الجزاء، وصاحب العقاب وإن انتقم كان إلى الندم أقرب، فأما من له أخ يوده فإنه يحتمل عنه الدهر كله زلاته»(5).

كراهة ترك العفو

وإن من الأمور التي يكرهها الله تعالى أن يطلب المسلم من أخيه العفو؛ فيأبى أن يعفو عنه، فإن ذلك من نواقض الأخوة في الله، وقد ورد في صحيح البخاري عن أبي الدرداء قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ، إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي ﷺ: «أما صاحبكم فقد غامر»، فسلم وقال: يا رسول الله، إني كان بيني وبين الخطاب شيء، فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى علي، فأقبلت إليك. فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر (ثلاثا).

ثم إن عمر ندم، فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثم أبو بكر؟ فقالوا: لا. فأتى إلى النبي ﷺ، فجعل وجه النبي ﷺ يتمعر، حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم (مرتين). فقال النبي ﷺ: «إن الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ (مرتين). فما أوذي بعدها».

بل إن العلماء جعلوا التشاغل في مقابلة الإساءة بمثلها من صفات البهائم، وأن أقل ما في العفو راحة النفس وطمأنينة القلب، كما قال أبو حاتم : «أغنى الناس عن الحقد من عظم عن المجازاة وأجل الناس مرتبة من صد الجهل بالحلم وما الفضل إلا لمن يحسن إلى من أساء إليه فأما مجازاة الإحسان إحسانا فهو المساواة في الأخلاق فلربما استعملها البهائم في الأوقات ولو لم يكن في الصفح وترك الإساءة خصلة تحمد إلا راحة النفس ووداع القلب لكان الواجب على العاقل ألا يكدر وقته بالدخول في أخلاق البهائم بالمجازاة على الإساءة إساءة ومن جازى بالإساءة إساءة فهو المسيء وإن لم يكن بادئا»(6).

ولأهل العفو فضائل عظيمة، من أهمها:

تكريم أهل العفو يوم القيامة

ولما كان العفو صعبا على النفس لا تتقبله، فإن الله تعالى يكافئ أهل العفو يوم القيامة، فيناديهم على رؤوس الخلائق، ويمنحهم عفوه ومرضاته، حتى يشهد الناس عطاء الله لهم؛ لما كان لهم من عفو، كما ورد عن أبي بكر أنه قال: «بلغنا أن الله تعالى يأمر مناديا يوم القيامة فينادي: من كان له عند الله شيء فليقم، فيقوم أهل العفو، فيكافئهم الله بما كان من عفوهم عن الناس»(7).

العفو سبيل مغفرة الله

كما جعل الله تعالى العفو وسيلة لمغفرته ومرضاته، فمن عفا عن الخلق؛ عفا الله عنه، كما قال تعالى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } (النور:22).

ولما كانت طبيعة الإنسان تميل إلى الانتقام من الظالم وأخذ الحق منه، وأن العفو لا يقدره عليه كل أحد، جعل الله تعالى العفو عن الناس من عزم الأمور، كما قال تعالى: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (الشورى:43).

طلب العفو أعظم المطالب

ولما كان عفو الله هو القصد الأعلى، جعل النبي ﷺ إن وافق العبد دعاء مستجابا؛ فليطلب من الله عفوه، وفي صحيح مسلم عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: قلت يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلةٍ ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: «قولي اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني».

العفو خلاص في الدنيا ونجاة في الآخرة

فإن كنت محبا لله حقا، فتمثل في نفسك وحياتك اسم الله العفو، فتجاهد نفسك في العفو عن الناس، راغبا بذلك وجه الله تعالى أن يعفو عنك في الميزان والحساب، تعلم العفو عمن ظلمك أو أخذ حقك، أو شتمك أو أهانك أو أساء إليك، وتصدق بعرضك عمن اغتابك، فإنها أعظم الصدقات، ومن أجل الطاعات.

وبالعفو يحصل الاتزان بين الناس في المجتمع، ويسود الود والمحبة بين الخلق، وتنتزع الضغائن، واعلم أنك بعفوك عن غيرك وإفصاحك له عن العفو تجنب نفسك ويلات كانت بك واقعة، ومصائب كانت بك نازلة، فأنت بالعفو تغير قدر الله إلى قدر لله أجمل، ولا تظنن أنك بالعفو عن غيرك تهدي له وحده نفعا، بل أنت منتفع بالعفو في الدنيا قبل الآخرة، ويكفي أن يطمئن قلبك وترتاح نفسك إن لزمت طريق العفو، وأن تنزل عليك السكينة، وأن تشعر بأنوار قوله تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} (الشورى:40)، وأي شيء غير أجر الله ترجو، فثق أن عفوك لا يضيع هباء، ولا يذهب سدى، فإنه محفوظ في صحائفك، مقدر عند من يفصل بين الناس يوم الحشر والنشور، فسر في قافلة العافين؛ عساه يكتب عنده من المحسنين الفائزين.

الهوامش

1- الكليات (53).

2- الوجوه والنظائر لأبي هلال العسكري، ص: 348-349.

3- نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر، ص:437.

4- روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، لابن حبان، ص:167.

5- روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، لابن حبان، ص:168.

6- روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، لابن حبان، ص:169.

7- إحياء علوم الدين للغزالي، (3/195).

  

أضف تعليق


كود امني
تحديث

جامعة ولاية سونورا بالمكسيك تمنح عبد الوهاب زايد الدكتوراه الفخرية

سونورا – الوعي الشبابي: منحت جامعة ولاية سونورا بالولايات المتحدة المكسيكية شهادة الدكتوراه ...

حسن بن محمد يكتب: العيد.. وتعزيز القيم الأسرية

حسن بن محمد - كاتب وباحث - تونس: يعتبر العيد مناسبة للفرح والاحتفال لدى كل العائلات المسلمة، وهو ...

مواجهة الإلحاد بالعلم والعقل والدين.. كتاب جديد للدكتور خالد راتب

القاهرة – الوعي الشبابي: أصدر الدكتور خالد محمد راتب، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال