الأربعاء، 29 مايو 2024
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الدكتور أحمد زكي عاكف وتأديب العلم

د. محمود صالح البيلي - دكتوراه في الأدب والنقد: قيض الله سبحانه وتعالى للعربية من الكتاب من جمع ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

291 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

الكويت – علاء الدين حسن - شاعر وكاتب سوري:

بالأمس أقبل مشرق الميلاد

شهر التقاة وقبلة العباد

في موكب الأفراح حط رحاله

وأقام في بشر وفي إسعاد

واليوم شد إلى الرحيل متاعه

قد زود الدنيا بخير الزاد

رمضان تأتي والوجود منور

وتجيء إثرك بهجة الأعياد

مضى شهر رمضان، ومرت نفحاته مر السحاب، ولم تبق إلا دروسه، فدوام الحال من المحال، وكل شيء إلى زوال.. لقد وجدنا في رحابه أنقى الأيام، وأروع الليالي.

رمضان.. أيام مضت، صفحات طويت، حسنات قيدت، صحائف رفعت.

مضى شهر الرحمة والمغفرة، ولا ندري إلى أي مـدى كان وفـاؤنا بواجب العمـل، وإلى أي حد كان تحقـيقـنا لفسـيح الأمـل.

لقد كان شهر رمضـان ملء أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا.. شهر رمضان، كان حديث منابرنا، وزينة منائرنا، وبضاعة أسواقنا، ومادة موائدنا، وحياة مساجدنا، واليوم، صار رمضان في ذمة الماضي، بعد أن كان حقيقة تملأ السمع والبصر، وبعـد أن كان حديثـا يروى وخبرا يؤثر، وستمضي أيام الحياة كلها إلى أجل لا ريب فيـه.

مضى رمضان، وشهد على المحسن بإحسانه، وشهد على المسيء بإساءته، وتحصل كل من الفريقين على ما قد قسم لـه من ربح أو خسران، فيا هنـاءة من قد ربح، ويا حسرة على الخاسر.. رحل رمضان، ومضى مسرعا وكأنه طيف خيال..

رمضـان كان مدرسة للرحمة، والرحمة من صفات الله وأسمائه، وهي الصفة الغالبة لدعوة الإسلام ورسالة محمد عليه الصلاة والسلام.

رمضـان موسم عالمي للعبادة والذكر والتلاوة والمغفرة.. رمضـان شهر الذكريات.. فيه جـرت غزوة بدر التي فصـلت بين الحق والباطل. وفيه تم فتح مكة المكرمة في العام الثامن من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وفي رمضان ليلة القدر المباركة التي أوصلت الأرض بالسماء.

قفز مع النسمات

رمضان شهر يحتوي أحلامنا العظيمة، ويعلمنا أن الغايات النبيلة والمقاصد الحسنة تجعل للأحلام وجودا فسيحا، فتتحقق في ذاكرة تنفك عن القيود، وتقفز خلف الجسور، فتتنفس نسمات الحرية في عبوديتها الخالصة لله، وتحيا ضعف الحياة، وضعف الفصول والأيام.

ويعلمنا رمضان أن للأحلام حياة رحبة، تسع الخلائق جميعا، على اختلاف أجناسهم وقبائلهم، وتنوع لغاتهم وألوانهم، تتنفس فيها الأرواح عبير الحقيقة، يسري إليها مسك أنفاسها، فتتوحد قلوبها على كلمة سواء، هي كلمة التوحيد، وكلمة العبودية، وكلمة الخضوع، والتكبير، والتعظيم.

ولصيام رمضان أثره الواضح على القلب والعقل والحواس، يتجسد في الاستقامة الشعورية والفكرية والسلوكية التي تغذيها العبادات والإيمان، ولئن كانت مرضاة الله هي المبتغى، فمن الغبن أن يتناقص هذا الرصيد ويتلاشى بعد انقضاء رمضان، إنما الوضع الطبيعي اعتبار هذا الشهر محطة وقود تجدد الطاقة لمواصلة السير الحثيث في الطريق إلى الله، وشتان بين المحطة التي تعطي الدعم القوي، وبين الفترة الزمنية التي تنتهي من غير أن تترك أثرا.

الصوم مدرسة لكـل

فضيلة طول المدى

هو روضة للسائرين

إلى الإله ومنتـدى

هو واحة للجود للـ

خيرات كان المعهدا

يشفي الصدور فما يكون

لصائم أن يحقدا

والمؤمن بعد صيام رمضان وقيامه، يقف وقفة لا يعجب فيها بنفسه، إنما يحمد الله على أن وفقه لطاعته. أما أهل المعصية فلهم الندامة..

غدا توفى النفوس ما عملت

ويحصد الزارعون ما زرعوا

إن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم

وإن أساءوا، فبئسما صنعوا

والثبات على الطاعة من أخلاق المؤمنين: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ} (فصلت: 30-31).

فالعاقبة الطيبة للراسخين في الإيمان، المثابرين على العمل بطاعة الرحمن، فمن آمن بالله واستقام على طاعته، تنـزلت عليه الملائكة عند المهمات الدنيوية بما يشـرح صدره، ويدفع عنه الهم والحزن، وقالت لـه: لا تخف من الموت وما بعده، ولا تحزن على ما خلفت من أهل وولد، وأبشر بالجنة التي وعدك الله إياها، إكراما من الله كما يكرم صاحب المنـزل ضيفه. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الأحقاف: 13-14).

وعن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك. قال: «قل آمنت بالله، ثـم استقم»(1).

وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: خط لنا رسـول الله صلى الله عليه وسلم خطا، ثم قـال: «هذا سبيل الله». ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: «هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليـه»(2). ثم تلا قول الله عزوجل: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} (الأنعام:153).

معـان مسـتفادة

مضى رمضان بعد أن ربانا على قوة الإرادة والإيمان.. فيا أيها الذي كان يمر باللغو كريما يقابل السيئة بالحسنة، ويبادل القطيعة بالصلة.. ويامن رأيناك في رمضان عائدا إلى الله، محافظا على طاعة الله.. لماذا لا تبقي نفسك في عداد عباد الرحمن الطائعين؟

ويا أيها الغني الذي استطعت أن تخفف عناء الفقر عن فقير، وقدرت أن تدفع محنة الحاجة عن محتاج، لماذا لا تشعر بأن للسائل والمحروم حقا لا يتقيد أداؤه بشهر أو يوم؟.

إن الذين أدركوا قيمة رمضان؛ سيستمرون في امتثال آدابه وتذكر ذكرياته التي أثبتت بأن جولة الباطل ساعة، وأن جولة الحق إلى قيام الساعة.

سلام عليك يا شهر القرآن وضياء المساجد.. يا شهر الذكر والمحامد.. سلام عليك يا شهر التراويح.. يا شهر الغفران الصريح..

سلام على شهر الصيام فإنه

أمان من الرحمن كل أمان

لقد كنت يا شهـر الصيام منورا

لكل فؤاد مظلم وجنـان

لقـد هذبت نفوسـنا، وأذهبت ما قد ران على قلوبنـا.. أما من كان عاصيا، فهو ليس فـي عيد، ولو لبس الجـديد! فسعادة الإنسـان مرتبطة بطاعة الله، وبالدعوة إلـى دين الله، وما عمت الجهالة، ولا ظهر الفسـاد إلا حين ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

عن أبـي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سـمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لـم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيـمان»(3).

والتغيير باليد يكون لولاة الأمور ولمن يسند لـه القيام بذلك، والتغيير باللسان يكون للعلماء بـما حباهم الله من حكمة وموعظة حسنة، وأوامر الشرع مبنية على جلب المصـالح ودرء المفاسد، ومن غفل عن تطبيق هذه القاعدة، كان فساده أكبر من صلاحه.

عظـة وعبرة

ولنا فـي انقضاء رمضان بـهذه السرعة الفائقة عبرة وعظة، فقد كنا نعيش روعة أيامه وأنس لياليه، ثم انقضت تلكم الأيام وتلكم الليالي، وكأنها ملمح خيال، مضت تلك الأيام وتلك الليالي؛ لنقطع بها مرحلة من حياتنا لن تعود إلينا أبدا، وإنما يبقى لنا ما أودعناه فيها من خير أو شر، وهكذا الأيام التي تـمر علينا تنقص من أعمارنا، وتقربنا من آجالنا. قال الحسن البصري رحمه الله: «ابــن آدم! إنما أنت أيام مجموعة، كلما مضى يوم مضى بعضك».

تزود من الدنيا فإنك راحل

وسارع إلى الخيرات فيمن يسارع

فما المال والأهلون إلا ودائع

ولا بد يوما أن ترد الودائع

حب وإخاء

وفي العيد، يلتقي المسلمون على الحب والإخاء، ويحمدون الله على نعمة الإسلام التي شدت بعضهم إلى بعض، فأصبح مثلهم في التسامح والتعاطف مثل الجسد الواحد أو البناء المرصوص. ولو كبرت قلوب المسلمين كما تكبر ألسنتهم لكان لهم أعظم الشأن، ولو تصافحت نفوسهم كما تتصافح أيديهم لكانوا خير أمة.

وإن فهمنا للعيد ينبغي أن لا يكون فهم لهو وعبث تقتحم فيه الحرمات، إنما ينبغي أن يكون فهم توفيق بين مطالب المادة والروح.

عن أنس رضي الله عنه قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: «ما هذان اليومان»؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد أبدلكم خيرا منهما؛ يوم الأضحى ويوم الفطر»(4).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ أبو بكر -في يوم عيد- وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان، فقال: أمزمور الشيطان في بيت رسول الله؟ فقـال صلى الله عليه وسلم: «يا أبـا بكـر! إن لكـل قوم عيدا، وهذا عيدنا»(5).

وبعــد؛ لقد ذبلت رياض رمضان الندية، ورحلت أيامه الشذية، وانقضت مساءاته المضيئة، وغادرت ساعاته البريئة.

أيكون لي بعد ارتحــالك رؤيـة

ويكون من بـعد الـوداع تلاقـي؟

بالله عد لي يا حبيــب ولا تزد

بالبعد من وجدي ومن أشواقي

فسنـاك يا رمضــان يملأ خافقي

وشـذاك دوما سـاكن أعمــاقي

مضى رمضان، وها هو العيد قد أقبل مع عود حميد، بعد رحلة حلقت بها الروح في فضاء الصفاء، فعانقت هناك نجوم السمو الروحي؛ فاقتبست من أنوارها مشاعل هداية ممتدة.

ولا نجاة من الكرب العظيم إلا بالإيـمان والعمل الصالح، في رمضان، وبعد رمضان.

مضى رمضان، وأقبل العيد، والعيـد ولادة جديدة من رحم شهر التربية والاستقامة؛ فيخرج منه المؤمن بقلب جديد.

تتسارع أفئدة المؤمنين إلى أحب البقاع، وتلهج ألسنتهم بذكر الله، وعلى وجوههم ترتسم البسمة، وفي قلوبهم تكبر المحبة.

تتلاقى الأعناق، وتتصافح الأيدي، وتزهر بينهم عبارات التهنئة.

في العيد تبتهج النفوس، وتنداح دائرة السرور، فأكمل الناس حظا من أدخلوا المسرة إلى قلوب البؤساء، يمسحون دمعة يتيم، ويخففون وجد أرملة، ويمدون أغصان الإحسان إلى مسكين، فينبعث من أكفهم السخاء، ويسمع من نواطقهم قول المعروف.

هؤلاء الأسـخياء، هم الذين تتم لهم الأسبقيات، وتكتمل فـي قلوبهم ووجوههم البهجة؛ فأسعد الناس من أسعد الناس. «والله في عون العبد، ما كان العبـد في عون أخيه»(6).

وفرحة العيد إنما هي لأهل الاجتهاد فـي رمضان، الذين بذلوا وقدموا وصبروا، فحق لهم أن يبتهجوا بيوم الجوائز للفائز، وكأن حالهم فـي هذا اليوم كحال المؤمنين يوم القيامة؛ الذين صبروا ابتغاء وجه الله فـي الدنيا، وعملوا لذلك اليوم، فهنيئا لهـم أن يقال لهـم: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}(النحل:32). فيطير الواحد منهم فرحا، ولسان حاله يقول: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} (الحاقة:٢٤:١٩).

أخيـرا؛

بكت القلوب على وداعك حرقة

كيف العيون إذا رحلت ستفعل

لا يستوي من كان يعمل مخلصا

هو والذي في شـهره لا يعمل

رمضان لا أدري أعمري ينقضي

في قـادم الأيام؟ أم نتقابل!

الهوامش

1- رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب جامع أوصاف الإسلام، رقم 38.

2- مسـند أحمـد، حديث 4225.

3- رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان النهي عن المنكر، رقم 49.

4- رواه أحمد 3/1.3، والنسائي، ك19، ب 1.

5- رواه البخـاري في صحيحه: 2/ 2.

6- رواه مسلم عن أبي هريرة، ك: الذكر والدعاء والتوبة، ح7.28.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

جامعة ولاية سونورا بالمكسيك تمنح عبد الوهاب زايد الدكتوراه الفخرية

سونورا – الوعي الشبابي: منحت جامعة ولاية سونورا بالولايات المتحدة المكسيكية شهادة الدكتوراه ...

حسن بن محمد يكتب: العيد.. وتعزيز القيم الأسرية

حسن بن محمد - كاتب وباحث - تونس: يعتبر العيد مناسبة للفرح والاحتفال لدى كل العائلات المسلمة، وهو ...

مواجهة الإلحاد بالعلم والعقل والدين.. كتاب جديد للدكتور خالد راتب

القاهرة – الوعي الشبابي: أصدر الدكتور خالد محمد راتب، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال