الأحد، 16 يونيو 2024
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الدكتور أحمد زكي عاكف وتأديب العلم

د. محمود صالح البيلي - دكتوراه في الأدب والنقد: قيض الله سبحانه وتعالى للعربية من الكتاب من جمع ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

33 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

52255

د. محمود خلف :

حفني (أو محمد حفني) بن إسماعيل ابن خليل بن ناصف: ولد في قرية بركة الحج (المجاورة لضاحية المرج القريبة من القاهرة حاليا).

عاش في عدة مدن مصرية، وقام برحلات إلى سورية وبلاد العرب والآستانة واليونان ورومانيا والنمسا وألمانيا وسويسرا والسويد.. وغيرها من بلدان أوروبا.

حفظ القرآن الكريم في كُتّاب القرية، ثم التحق بالأزهر مدة عشر سنوات (1286 - 1297هـ/ 1869 – 1879م)، درس فيها علوم التجويد وحفظ المتون، ودرس الفقه الشافعي، والنحو والصرف، وعلوم البلاغة والعروض والقوافي والمنطق والتوحيد والحديث والتفسير. وحصل على إجازة في رواية الحديث من الشيخ الأشموني، ثم التحق بمدرسة دار العلوم عند إنشائها، وحصل على إجازتها (1300هـ /1882م)، فدرس الحساب والهندسة والكيمياء والطبيعة والتاريخ والجغرافيا ووظائف الأعضاء ومبادئ اللغة الفرنسية.

اشتغل مدرسا في مدرسة الصم والبكم والعميان ثلاث سنوات، وتنقل في وظائف وزارتي المعارف والحقانية (العدل حاليا) - وفي أثناء عمله بمدرسة الحقوق اشترك في ترجمة القوانين المصرية، كما اشتغل في القضاء الأهلي عشرين عاما، وكان آخر مناصبه فيه وكيل محكمة طنطا الكلية.

كان من دعاة إنشاء الجامعة المصرية (1326هـ/ 1908م)، وقد تبرع لها، ورأس لجنة الاكتتاب، وكان من أوائل المدرسين فيها، ثم انتخب أول رئيس لها. كما شارك في إنشاء المجمع اللغوي الأول، ونادي دار العلوم. وآخر عمل مارسه كتابة القرآن الكريم بخط يده، حسب قواعد الإملاء الحديثة.

وله مداعبات شعرية مع حافظ إبراهيم وغيره. وكان يتجنب المدح والفخر في شعره. وهو والد «باحثة البادية».

تتلمذ على يديه: مصطفى كامل وأحمد شوقي وأحمد لطفي السيد وطلعت حرب وطه حسين وأحمد زكي (شيخ العروبة).. وغيرهم.

اشترك مع الشيخ محمد عبده في تحرير «الوقائع المصرية»، وكان يكتب في «الأهرام» بتوقيع «إدريس محمدين»، كما شارك في تحرير «المؤيد»، التي كان يصدرها الشيخ علي يوسف، واشترك في الثورة العرابية بخطب كان يلقيها ويكتبها ويوزعها على خطباء المساجد والشوارع.

نال رتبة «البكوية» (من الدرجة الأولى)، واعتذر في زمن السلطان حسين كامل عن عدم قبول رتبة «الباشوية».

له عدة مؤلفات في تاريخ الأدب ومميزات لغة العرب، وفي البلاغة، وتعريب أسماء المستحدثات الحضارية والمدنية، وله رسائل في المنطق والبحث والمناظرة وعلم الأصول والتوحيد، بالإضافة إلى مجموعة نثر.

تدل عناوين قصائده على طابع شعره الوصفي الأخلاقي، ففيه تكثر أسماء الشخصيات، وأسماء المدن التي زارها، وهذا ملمح من ملامح تجديده، إذ كان معاصرا للبارودي، وتأثر به. وشعر حفني ناصف يمثل عصره المتطلع إلى النهوض، كما يمثل طبائع المصريين وطبيعتهم، فمن الناحية الفنية تبدو الحلى البلاغية، وبخاصة الجناس والتورية والتضمين، ومن ناحية الطبائع يذكر بروح البهاء زهير في رشاقة العبارة والميل إلى الدعابة.

ويقول عنه تلميذه طه حسين: إنه «كان ذكي القلب، خصب الذهن، نافذ البصيرة، حاضر البديهة، سريع الخاطر، ذرب اللسان، وكان أسمع الناس طبعا، وأرجحهم حلما، وأعذبهم روحا، وأرقهم شمائل».

له «تاريخ الأدب أو حياة اللغة العربية» (جزآن من أربعة)، و«مميزات لغات العرب»، ورسالة في «المقابلة بين لهجات بعض سكان القطر المصري». واشترك في تأليف «الدروس النحوية» (أربعة أجزاء). وجمع ابنه مجد الدين ناصف شعره، في ديوان سماه «شعر حفني ناصف».

توفي بمدينة حلوان (جنوب القاهرة).

نماذج من شعره

قال فقيد الأدب حفني بك ناصف:

أتقضي معي - إن حان حيني - تجاربي

وما نلتها إلا بطول عناء

وأبذل جهدي في اكتساب معارف

ويفنى الذي حصلته بفنائي

ويحزنني ألا أرى لي حيلة

لإعطائها من يستحق عطائي

إذا ورث الجهال أبناءهم غنى

وجاها فما أشقى بني الحكماء

نماذج من نثره

ولعل من أشهر رسائله، وأدلها على أسلوبه وخصائصه، وكيف كان يضمنها الأمثال والأشعار، ويحل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بطريقة تدل على مقدرة وتمكن في الكتابة، وعلى أن حفني قد يجد - وكثيرا ما يجد - في كتابته فيغضب لكرامته، ويكون قاسيا في معاتبته، مع أدب جم، وذوق رفيع في اختيار الكلمات، وعرض الفكرة. لعل من أشهر رسائله في هذا الباب رسالته إلى السيد توفيق البكري، وقد زاره في بيته فوجد زوارا كثيرين، فانتظر حتى قدم صاحب الدار، ولكنه لم يعره التفاتا، فكتبت إليه يعتب عليه:

«كتابي إلى السيد السند، ولا أجشمه الجواب عنه، فذلك ما لا أنتظره منه، وإنما أسأله أن ينشط لقراءته، وتنزل إلى مطالعته، وله الرأي بعد ذلك أن يحاسب نفسه، أو يزكيها ويحكم لها أو عليها.

فقد تنفع الذكرى إذا كان هجرهم

دلالا فأما إن ملالا فلا نفعا

زرت «السيد»، ويعلم الله أن شوقي إلى لقائه، كحرص على بقائه، وكلفي بشهوده، كشغفي بوجوده، فقد بعد والله عهد هذا التلاق، وطال أمد الفراق، وتصرم الزمان، وأنا من رؤيته في حرمان. فسألت عنه فقيل لي: إنه خرج لتشييع زائر، وهو عما قليل حاضر، فانتظرت رجوعه، وترقبت طلوعه، ولم أزل أعد اللحظات، وأستطل الأوقات، حتى بزغت الأنوار، وارتج صحن الدار، وظهر الاستبشار على وجوه الزوار، وجاء «السيد» في موكبه وجلاله محتده ومنصبه، فقمنا باستقباله، وهيّمنا بكماله، فمر يتعرف وجوه القوم، حتى حاذاني، وكبر على عينه أن تراني، فغادرني ومن على يساري، وأخذ في السلام على جاري، وجر السلام الكلام، وتكرر القعود والقيام، وأنا في هذه الحال أوهم جاري أني في داري، وأظهر للناس أن شدة الألفة تسقط الكلفة، مر السيد بعد ذلك من أمامي ثلاث مرات، ومن الغريب أنه لم يستدرك ما فات.

تمرون الديار ولم تعوجوا

كلامكم علي إذا حرام

وكنت أظن أن مكانتي عند السيد لا تنكر، وأن عهدي لديه لا يخفر، فإذا أنا لست في العير ولا في النفير، وغيري عند السيد كثير، وذهاب صاحب أو أكثر عليه يسير.

ومن مدت العليا إليه يمينها

فأكبر إنسان لديه صغير

ولا أدعي أني أوازي السيد - صانه الله - في علو حسبه، أو أدانيه في علمه وأدبه، وأقاربه في مناصبه ورتبه، أو أكاثره في فضته وذهبه، وإنما أقول: ينبغي للسيد أن يميز بين من يزوره لسماع الأغاني والأذكار، وشهود الأواني على مائدة الإفطار، وبين من يزوره للسلام، وتأييد جامعة الإسلام، وأن يفرق بين من يتردد عليه استخلاصا للخلاص، ومن يتردد إجابة لدعوى الإخلاص، وألا يشتبه عليه طلاب الفوائد بطلاب العوائد، وقناص الشوارد، بنقباء الموالد، ورواد الطرف بأرباب الحرف.

فما كل من لاقيت صاحب حاجة

ولا كل من قابلت سائلك العرفا

فإن حسن عند السيد أن يغضي عن بعض الأجناس، فلا يحسن أن يغضي عن جميع الناس، وإلا فلماذا يطوف على الضيوف، ويحييهم بصنوف من المعروف، يتخطى الرقاب «لصروف»، ويخترق لأجله الصفوف؟ فإن زعم السيد أنه أعلم بتصريف الأقلام، فليس بأقدم هجرة في الإسلام، وإن رأى أنه أقدر مني على إطرائه، فليس بممكن أن يتخذه من أوليائه.

ولا أروم بحمد الله منزلة

غيري أحق بها مني إذا راما

وإنما أصون نفسي عن المهانة والضعة، ولا أعرضها للضيق وفي الدنيا سعة.

وأكرم نفسي، إنني إن أهنتها

وحقك لم تكرم على أحد بعدي

فلا يصعر السيد من خده، فقد رضيت بما ألزمني من بعده، ولا يغض من عينه، فهذا فراق بيني وبينه، وليتخذني صاحبا من بعيد، ولا يكلمني إلى يوم الوعيد.

كلانا غني عن أخيه حياته

ونحن إذا متنا أشد تغانيا

ومني على السيد السلام، على الدوام، ومبارك إذا لبس جديدا، وكل عام وهو بخير إذا استقبل عيدا، ومرحى إذا أصاب، وشيعته السلامة إذا غاب، وقدوما مباركا إذا آب، وبالرفاء والبنين إذا أعرس، وبالطالع المسعود إذا أنجب، ورحمة الله إذا عطس، ونوم العافية إذا نعس، وصح نومه إذا استيقظ، وهنيئا إذا شرب، وما شاء الله إذا ركب، ونعم صباحه إذا انفجر الفجر، وسعد مساؤه إذا أذن العصر، وبخ بخ إذا نثر، ولا فض فوه إذا شعر، وأجاد وأفاد إذا خطب، وأطرب وأغرب إذا كتب، وإذا حج البيت فحجا مبرورا، وإذا شيع جنازتي فسعيا مشكورا، والسلام».

ونرى حفني قد سار في هذه الرسالة سيرا طبيعيا، ومهد لعتبه تمهيدا لبقا، فبيّن كم كان مشوقا إلى لقائه، والحوافز التي دعته إلى زيارته، ثم أجاد في وصف موكب السيد، ووصف حاله هو حين تخطاه ولم يعره التفاتا، وكيف حز ذلك في نفسه، وبيّن أنه على الرغم من التفاوت بينهما في المنصب والجاه والحسب والمال، فإنه لم يزره طالبا رفده أو منظرا فضله، ويجب عليه أن يفرق بين أنواع الزوار، وضرب مثلا بحفاوة السيد يعقوب صروف، وبين أنه لا يقل عنه منزلة، فليس ممن سبقوا إلى الإسلام، ثم اشتد في عتبه وثأر لنفسه في أدب، وبين أنه كريم يحافظ على مكانته، وأنه سيفارقه إلى الأبد ضنا بنفسه عن المهانة، وقطع عليه خط الرجعة، فقدم كل ما يمكن أن يقال في المناسبات، حتى تشييع جنازته، فهي رسالة أديب حر كريم، ونموذج صادق في ميدان الأدب والكرامة.

ولقد كان حفني بارعا في تصوير المواقف، والحالات النفسية والمناظر، وكان أسلوبه فيها شفافا عن نفسه، لم يحل سجعه دون ظهور صدقه، ولم تحل سماحته وسجاحته دون شدته وقوة عارضته، وقد أفاء على سجعه طلاوة قصر فقراته، ومجيئه متمكنا في مواضعه حتى لا نحس بأدنى تكلف. وقد ضمنها كثيرا من الأشعار جاءت في مكانها مناسبة للمقام تمام المناسبة.

ولا شك أن ذوق حفني، وكثرة محصوله من الأدب، نثره وشعره، وما كان فيه من حالة نفسية عاطفية، قد أضفت على القطعة كلها جوا من القوة، وجمال الرونق.

وكان حفني مولعا بالسجع، متمكنا فيه كل التمكن، ولذلك لم يعدل عنه في رسائله، بل كان يحرر به المقالات، وينشئ المقامات، وفي أخريات تلك الحقبة اشتدت الحملة على السجع ممن أرادوا تحرير النثر من قيوده، وكان ذلك طبيعيا لتطور العقول، وتحررها من مخلفات الماضي، وازدياد صلتها بالثقافات الأجنبية، ولتطور المقالة الصحفية بمختلف أنواعها، فلم لا تسلك ألوان النثر الأخرى مسلكها، ولقد كان حفني يمثل الفريق المحافظ في هذا الصراع بين الثقافتين، ولذلك سجل رأيه في السجع واضحا فقال:

«أخذوا في ذم السجع والمقفى، وأطلقوا القول في تهجينه، وضللوا المتقدمين من المنشئين، وأئمة الأدب وفرسان البراعة، ولا أقول: إن ذلك ناشئ عن عجزهم وقلة بضاعتهم في ذلك الشأن، فأخذوا يحسنون به القبيح ويقبحون الحسن، سفسطة على العالم، ومغالطة الناس، ومن جهل شيئا عاداه، بل أقول: إن هذا إطلاق في مقام التقييد، وإرسال للعنان في موضع الإمساك، وإجمال في ساحة التفصيل. والحق أن لكل مقام مقالا، وأن السجع والتقفية، قد يلبسان القول حسنا، ويكسبانه رونقا لا ينهض به تفلسفهم المسجوع، وسفسطتهم الباردة.

نعم إن بعض القاصرين من المنشئين قد يضطره الازدواج، وتحكم عليه القافية، فيأتي بألفاظ عن الغرض، أو يعقد الكلام فلا يفي بالمرام، فكانوا - لو أنصفوا - يجعلون هذا محط تهجينهم، ومرمى قذفهم، فإن الحشو مذهب لانتظام القول، مضيع لزينته.

فالغاية أنه يلزم المنشئ أن يكون كلامه وافيا بالغرض، مؤديا للمطلوب في سياق مناسب لاختلاف المقامات وتباين الدواعي، فإن سهل عليه ذلك مع مراعاة السجع والقافية، كان أدخل في تمكين المعاني في الأذهان، وأنشط للأسماع،

وأدعى للإقبال، وأخف على الأرواح، فتركه إنما هو رخصة لا عزيمة، فعليك أن تستعمل فكرك في استخلاص الحق، وتبصر وتشيم كل برق، فما كل داع بأهل لأن يصاخ له، ولا ترم بنفسك في إسار التقليد، ولا تكن في الأمور إمعة، كلما سار إنسان سرت معه».

ومع هذا الدفاع عن السجع، وبيان مواطنه المناسبة، فإن التيار كان قويا، وقد كان حفني ناصف نفسه من العاملين على إشاعة الترسل في الكتابة، كما يقول صاحبا الوسيط، وإن ظل الأسلوب الأدبي متميزا بطابع خاص، وقد مرت بنا بعض رسائل قل فيها السجع، ومع ذلك حفظت رونقها وطلاوتها كتلك التي كان يكتبها الشيخ مفتاح.

إن دفاع حفني ناصف وثيقة قيمة تكشف عن الصراع في سبيل الوصول إلى الأسلوب المناسب مع تيارات العصر، وكان آخر سهم وجهته الفرقة المحافظة قبل أن تستسلم.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

جامعة ولاية سونورا بالمكسيك تمنح عبد الوهاب زايد الدكتوراه الفخرية

سونورا – الوعي الشبابي: منحت جامعة ولاية سونورا بالولايات المتحدة المكسيكية شهادة الدكتوراه ...

حسن بن محمد يكتب: العيد.. وتعزيز القيم الأسرية

حسن بن محمد - كاتب وباحث - تونس: يعتبر العيد مناسبة للفرح والاحتفال لدى كل العائلات المسلمة، وهو ...

مواجهة الإلحاد بالعلم والعقل والدين.. كتاب جديد للدكتور خالد راتب

القاهرة – الوعي الشبابي: أصدر الدكتور خالد محمد راتب، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال