الأربعاء، 19 يونيو 2024
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الدكتور أحمد زكي عاكف وتأديب العلم

د. محمود صالح البيلي - دكتوراه في الأدب والنقد: قيض الله سبحانه وتعالى للعربية من الكتاب من جمع ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

86 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

د. محمود صالح البيلي - دكتوراه في الأدب والنقد:

قيض الله سبحانه وتعالى للعربية من الكتاب من جمع بين العلم والأدب، فنبغ بعض العلماء الأدباء في تبسيط المعارف الطبيعية والتطبيقية بشكل راق، ونشروها بين طالبي الثقافة والعلم عبر الصحف والمجلات الذائعة الصيت الواسعة الانتشار بأسلوب يجمع في ملامحه وتكوينه بين سمات الأسلوب الأدبي والأسلوب العلمي..

وما ذاك إلا لأن هذه الكوكبة من الكتاب حصدوا في العلوم التجريبية درجات علمية مرموقة، كما أنهم حازوا نصيبا وافيا من فنون الأدب وسليقة المبدعين، وأوتوا قسطا كبيرا من فنيات كتابة المقال.. ومن هؤلاء الأفذاذ د. أحمد زكي، الذي سنعرض له في هذا المقال بشيء من التفصيل.

أحمد زكي سيرة ومسيرة

ولد أحمد زكي عاكف في 8 شوال 1312هـ الموافق 5 أبريل 1894م بمحافظة السويس، التحق بمدرسة السويس الابتدائية، وحينما انتقل والده إلى القاهرة التحق بمدرسة أم عباس الابتدائية، وظل بها حتى أتم الابتدائية عام 1325هـ/1907م، والتحق بالمدرسة التوفيقية الثانوية، ومنها نال الشهادة الثانوية 1330هـ/1911م، وكان ترتيبه الثالث عشر على القطر المصري، التحق أحمد زكي بمدرسة المعلمين العليا، وبعد التخرج عام 1333هـ/1914م عمل مدرسا بالسعيدية الثانوية، ثم رشح للسفر في بعثة إلى إنجلترا لاستكمال تعليمه، لكن حرم منها بسبب عدم اجتيازه الكشف الطبي.

عمل في ميدان التدريس؛ فاشتغل مدرسا بالمدرسة الإعدادية الثانوية، ثم اختير ناظرا لمدرسة وادي النيل الثانوية بباب اللوق في القاهرة، وفي عام 1338هـ/1919م استقال من وظيفته، وتوجه إلى إنجلترا على نفقته الخاصة؛ طلبا للتخصص في الكيمياء، ونجحت مساعيه في أن تلحقه الدولة ببعثتها الرسمية، ثم حصل على شهادة بكالوريوس العلوم من ليفربول عام 1923م، ثم دكتوراه الفلسفة في الكيمياء 1343هـ/1924م، ثم انتقل إلى جامعة مانشستر لمواصلة البحث العلمي، فأمضي بها عامين، ثم التحق بجامعة لندن، وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم عام 1347هـ/1928م، وهي أرفع الدرجات العلمية التي تمنحها الجامعات، وكان ثالث مصري يحصل عليها بعد على مصطفى مشرفة وعبدالعزيز أحمد.

بعد عودته من إنجلترا عين أستاذا مساعدا للكيمياء العضوية في كلية العلوم، ثم أستاذا عام 1349هـ/1930م، ليكون أول أستاذ مصري في الكيمياء، ثم شغل منصب مدير مصلحة الكيمياء عام 1355هـ/1936م، ثم أسس المركز القومي للبحوث عام 1947م، واختير وزيرا للشؤون الاجتماعية عام 1952م.

أهم أعماله

- تأسيس الجمعية الكيميائية المصرية عام 1938م.

- تأسيس المركز القومي للبحوث عام 1947م.

- كان أول رئيس تحرير لمجلة «العربي» الثقافية الكويتية منذ عام 1958م ولمدة سبعة عشر عاما إلى أن توفي.

- كان عضوا في مجامع اللغة العربية في: القاهرة ودمشق وبغداد.

من مؤلفاته

حظيت المكتبة العربية بعدد من كتبه ومؤلفاته فمن أشهر كتبه موسوعته الشهيرة «في سبيل موسوعة علمية»، التي جمع فيها مقالاته العلمية التي نشرها في مجلة «العربي» الكويتية: مع الله في السماء - مع الله في الأرض - سلطة علمية. كما ترجم من الكتب العلمية: قصة الميكروب - قصة الكيمياء. ومن الكتب الأدبية: غادة الكاميليا - جان دارك.

توفي الدكتور أحمد زكي، رحمه الله، في 1395هـ/13 أكتوبر عام 1975م(1).

                                                                      

أسلوبه العلمي المتأدب

يعد د. أحمد زكي عالما أديبا وأديبا عالما، فهو من النماذج الثقافية الفذة والشخصيات اللامعة علميا وأدبيا وصحافيا، التي عرفتها الأوساط المهتمة بالعلم والفن والأدب خلال القرن الماضي في مصر والوطن العربي بأكمله، بل كل من يثقف قريحته من خلال لغة الضاد في سائر البلدان(2).

كما يعد د. أحمد زكي من أوائل من نادوا بإدخال الثقافة العلمية كي تصبح جزءا من نسيج الثقافة العربية، وأرسى بالفعل قواعد تناول العلوم ومعالجة الثقافة العلمية وتبسيط العلوم وتقديمها وجبة سائغة للجماهير.

ويقول أحمد زكي موضحا رسالته ورأيه في العلاقة بين العلم والأدب: «الفارق بين العلم والأدب مفتعل، وهو أكثر افتعالا في الشرق، فكل كاتب في الشرق مفروض أن يكون أديبا ولو كان عالما... ومن غرائب الشرق أن يستغرب أن يكون العالم أديبا»(3).

الحياة معركة شاملة قاسية ضارية.. مثالا

وعلى سبيل الاستشهاد والتدليل على هذه الموهبة الفذة في تأديب العلم نعرض لأحد مقالات د. زكي مقال: «الحياة معركة شاملة قاسية ضارية»(4) بشكل مجمل ليستبين أسلوب الرجل في كتاباته العلمية المتأدبة والمنهج الذي ارتضاه لنفسه في هذا الميدان.

عند إمعان النظر في هذا المقال يبدو جليا أنه يجري فيه على أسلوبه الشائق الذي يجعل القارئ منتبها دائما، ومستمتعا بكل ما يقرأ؛ فهو يتناول ظاهرة من ظواهر الوجود الكبرى، وقانونا من قوانين الطبيعة ليس إلى إنكاره من سبيل، وهو الصراع بين الكائنات الحية لتلبية حاجة فطرية لا غناء للمخلوقات عنها، وهي البحث عن الغذاء الذي يسد الرمق، ويقضي على الجوع، ويطرد شبح الموت؛ ولذا فلا عجب من وجود قاتل ومقتول، وآكل ومأكول.

ولإرساء هذا المعنى عرض الكاتب مقاله في سلسلة أفكار متتابعة؛ فتراه يبدأ بمقدمة قصصية استأثر فيها بالمتلقي عقلا وشعورا ووجدانا، منتقلا منها إلى تقرير حكم من أحكام الحياة، يشف عن أنها تحتوي ظواهر كبرى خرجت عن نطاق الأحكام، فليس فيها ما يسمى حقا أو ما يسمى باطلا، وضرب أمثلة لهذه الأمور الكونية، وجعل منها الجوع، وما يترتب عليه من بحث عن الغذاء، وعندئذ ينتج في عالم الأحياء قاتل ومقتول، أو آكل ومأكول، وعد الكاتب ذلك قانونا من قوانين الحياة ليس إلى إنكاره من سبيل؛ لأنه لو تعطل تعطلت معه الحياة.

ثم انتقل بعد تقرير هذه الحقيقة إلى بيان الشبكة الغذائية؛ فرآها سلسلة تتألف من ثلاث حلقات: أولاها العشب؛ وهو لا يأكل وإنما يؤكل، وآخرها السبع؛ وهو يأكل وغالبا لا يؤكل حيا، وبينهما ذو الحافر؛ وهو آكل ومأكول.

ثم عرض لأصل العشب وكيفية تكوينه، مؤكدا أنه غذاء الحياة جميعا، ثم عقد مقارنة بينه وبين الحيوان؛ فوجد النبات لا يمنع آكله أن يأكل، على النقيض من الحيوان الذي يمنع آكله؛ فيدفع عن نفسه؛ فتنشب معارك دامية؛ حيث تغير آكلات اللحم على آكلات العشب، أو على آكلات اللحم الأضعف، والتمس الكاتب لها عذرا؛ فهي لن تستمر على قيد الحياة من غير أن تأكل اللحم.

ثم بين الكاتب أن في اللحم طاقة فوق طاقة النبات، وهذا له أثره البارز في توزيع سلسلة الغذاء الثلاثية على ظهر هذا الكوكب؛ فالنبات أوسعها انتشارا، يليه آكلات النبات من الحيوان، ويليها في الانتشار آكلات اللحوم، فطعامها أكثر الأطعمة تركزا للطاقة.

ثم أكد أنه ليس أحد بناج من أن يكون طعاما مأكولا، ولا حتى الضخام من آكلات اللحوم؛ فإنها تموت ثم لا تلبث أصغر الكائنات الحية (كائنات التحليل والتفكيك) أن تجعل من جسمها مائدة فاخرة عظيمة، في دلالة واضحة على أن الطبيعة لا تبالي أن يخلد الفرد، ولكن همها أن يتصل النسل ويستمر؛ فالفرد فان، والجنس باق؛ حتى إن أفراد البكتيريا التي تتغذى على ضخام الحيوانات، لا تلبث أن تستهلك طعاما لغيرها؛ فمعركة الحياة قائمة، ودورة الوجود مستمرة.

وأوضح الكاتب أن «اللاحمات» من الحيوان تخوض معارك لتحصل على غذائها، مستعينة بالظفر أو الناب، مما يضطر «العاشبات» إلى اللجوء إلى حيل وأدوات دفاعية؛ طلبا للنجاة، عدد منها: العيش في القطيع، وإشهار القرون، واستخدام الدروع، والهرب، والاختفاء والتخفي.

ثم أشار إلى أن عالم الحشرات أكثر سكان هذه الأرض عددا، ومنها ما يتغذى على النبات، ولو ترك له المجال لتكاثر حتى يأتي على أكثر نباتات الأرض، ولهذا كانت مأدبة لغيرها من بعض أنواع الحشرات والحيوانات والطيور؛ ولأنها كذلك في الدرك الأسفل من ضعف الحيلة؛ كان لا بد لها من أدوات للتخفي؛ ذكر الكاتب منها: التمويه بالامتزاج بفرع الشجرة، واللون، والسم، ومن التخفي التماوات، وضرب أمثلة لذلك.

ثم ختم مقاله مذكرا بما جاء في استهلاله من أنه لا لوم على أحد في أن يخضع لظواهر الوجود ونواميسه الدائمة التي من دونها تتعطل الحياة لأنها من إرادة الله العلي الحكيم.

كل ذلك أتى من الكاتب بأسلوب سلس رائق؛ حيث مزج الرؤية العلمية بالسليقة الأدبية من غير كلفة؛ فأبدع في تناول هذا الموضوع العميق، وقربه إلى الأفهام في وضوح عذب جياش.

فأول ما يلفت القارئ من المقال العنوان، الذي سيجد بنيته متوسطة الطول على هيئة جملة اسمية؛ فالكاتب على بينة من أنها تفيد بأصل وضعها ثبوت شيء لشيء، بيد أنها قد تخرج عن هذا الأصل، فتفيد الدوام والاستمرار بحسب القرائن كما هو الحال هنا والقرينة في هذا العنوان تستقى من فكرة المقال العامة المهيمنة عليه، ومن تتبع جزئياته وتفاصيله التي توثق تلك الفكرة؛ فالمعركة في الحياة مستمرة دائمة من أجل توفير القوت اليومي لدى طوائف الكائنات عامة، فهي معركة اضطرارية لا اختيار لأحد فيها؛ لأنها نابعة من إرضاء غريزة لدى عوالم الأحياء قاطبة، وإشباع رغبة باقية معهم؛ من دونها تسلب حياتهم، ويكشف ذلك العنوان النابض أيضا عن محتوى المقال بشكل مباشر، في دلالة واضحة على مضمونه؛ فهو يقرر أن الطبيعة الحياتية للأنواع الحيوانية في تحصيل رزقها قائمة على الضراوة، والقسوة الظاهرة في قضاء حاجة فطرية، لا بديل لهم عنها، فالغذاء يكفل لهم البقاء، إلى أن يشاء الله لهم الفناء.

ولأجل الاستئثار بالمتلقي حسا وشعورا، وجذب انتباهه منذ الوهلة الأولى أتت المقدمة قصصية مثيرة، تعد بمنزلة تمهيد طويل مشوق يغري المتلقي بالاستمرار في مطالعة المقال، فكانت على هذا النحو: «منذ سنوات، رأيت على شاشة التلفاز رحلة جماعة من العلماء، خرجوا إلى براري إفريقية الوسطى، وأدغالها، يدرسون ما بها من صنوف الحيوانات، واتخذوا لهذه الرحلة الطائرة التي تسير في بطء على مقربة من الأرض، تلك التي سموها الهليكوبتر... ومن هذه الطائرة رأى راكبوها ما يجري في تلك البراري والأدغال من أحداث صغار، وأحداث كبار... وكان مما رأوا ورأيت معهم بعد ذلك على الشاشة مناظر قطعان مئات أحيانا من ذوات الحافر، قابعة على سطح الأرض، وسائرة حينا، ترود في أرض الله الواسعة المعشبة ما لا بد منه من طعام، ورأيت من هذه القطعان قطيعا كبيرا كأنه البقر، وقد انتفض من مراقده على حين بغتة، وأطلق للريح سيقانه، وما لبثت أن رأيت جماعة من الذئاب تجري وراءه تطلب منه صيدا، ولحقت الذئاب بأطراف القطيع، وأخذت تفصل عنه البقر الصغير الرضيع وتفترسه افتراسا... وأخذت العاطفة أحد رجال الطائرة أخذا؛ فهم بأن يطلق على ذئب من الذئاب الرصاص، وقد هم أن ينال فريسته الصغيرة الثائرة الجائعة المرتاعة، فقال له آخر: بالله لا تحرم الذئب من غذائه؛ فلعله قد مضى عليه أيام؛ أهلكه فيها الجوع. نعم: لا تحرم الذئب من غذائه! قاتل من الحيوان ومقتول؛ توزعت بينهما عاطفة الرجلين، وتعطلت بينهما لغة الآداب، فلم تدر ما تقول».

بعد تلك المقدمة التي أخذت بمجامع القلوب، وأغرت القارئ على المتابعة؛ انطلق الكاتب في عرض تفاصيل موضوعه، معتمدا على الأسلوب الوصفي المباشر.

وكذلك تجد المفاكهة اللطيفة عندما يبين الكاتب سبب استخدام الوعل الذكر قرونه في أهل جنسه: «فهو بها يدفع عن حريمه، ضد كل زير نساء من الوعل، لا سيما وفصل الحب قائم».

ولم يخل العرض في المقال من توظيف اجتماعي لنظرية التخفي وربطها بالإنسان، فبعد ذكر بعض أدواتها في عالم الحيوان، علق قائلا: «والتخفي والتمويه والتعمية بكل صنوفها أسلحة يمارسها الإنسان؛ فالتخفي في حرب الكامفلاج(5)، والسم في حرب وفي سلم، والتمارض على الصحة، كلها بعض حيلة الإنسان».

وكذلك يوجد بالمقال توظيف سياسي لا تخطئه العين، فبعد أن بين الكاتب أن الحشرات أكثر سكان هذه الأرض عددا، ولو ترك المجال لآكلات النبات منها لتكاثرت، وأبادت أكثر نباتات الأرض، ولهذا كان من الحشر أنواع أخرى تأكل هذا الحشر النباتي، ثم جاءت حيوانات تأكل الحشر آكل الحشر، ثم أردف قائلا: «ميزان الطبيعة الشهير الذي لا يأذن لصنف من الحيوان جملة أن يطغى جملة، فهو كالميزان السياسي بين أمم الأرض؛ لا بد للقوة الغاشمة أن تقابلها في الكفة الأخرى قوة تكافئها، وإلا انقلب الميزان، وافترست سباع بني الإنسان خرافها والنعاج».

ولإضفاء لون من الإيقاع على المقال؛ تجده زخر باستعمال الألوان البديعية -تلك التي تمتع السمع، وتسعد الوجدان- التي أتت عفوا لا تصنع فيها، ومنها ما وظف فيه الكاتب الطباق بشكل دقيق؛ فعندما تحدث عن القوانين الثابتة في الكون وما فيها من عموم قال: «لا تعي جوامد الأرض والسماء ما معنى الفجيعة فيها شيئا، ولا من معنى العدل والظلم، ولا من معنى الذم والحمد».

وقد جمع في المقال بين أكثر من محسن بديعي؛ كما يبدو من المزج بين الجناس والطباق السجع؛ كقوله عن الإنسان الذي لا ناب له ولا ظفر؛ ولذا فهو يفترس بحيلته: «أكبر سلاحه العقل، وبالعقل ابتدع السلاح مصنوعا لا مطبوعا».

وغص المقال بالصورة الفنية متمثلة في التشبيه والاستعارة ممتزجين في موضع واحد، نحو ما ورد: «والنبات أول أشكال الحياة بل هو غذاء الحياة جميعا... ومن وراء النبات تقبع الشمس تمد بطاقتها إلى الأرض في صمت هو أجدر شيء بالمختبرات الأولى التي تجري فيها عمليات الخلق».

وقد بدا في المقال التأثر بالقرآن الكريم على سبيل الاقتباس الضمني، عندما وصف بعض معارك الغابات، التي تحتدم من أجل الغذاء، وسد الرمق، ثم عقب بقوله: «وكانت ساعة ذهلت فيها كل مرضعة من البقر عما أرضعت، فلم تتريث الأمهات لتحميها، ومضت لا تلوي على شيء»(6).

واهتم الكاتب بالدقة في استعمال اللفظة، ومن ذلك ما ميز به الكاتب بين كلمتين قريبتين في المعنى، قد تحدثان لبسا على القارئ؛ حينما بين أن الحيوان يلجأ إلى الاختفاء والتخفي: «ومن طرائق النجاة للضعيف الاختفاء في الجحور؛ فكذلك يفعل الفأر والأرنب... والتخفي غير الاختفاء، إن التخفي هو التمويه والتعمية على الناظر، وفي هذا تشد الطبيعة فيه أزر الضعيف من الحيوان شدا».

وقد يأتي التركيب إنشائيا كأن يكون استفهاما غرضه التقرير، ومن هذا القبيل: «إن الكلب البري أول ما ينال من الوعل رقبته، فمن يا ترى أدراه؟». فهنا يلح الكاتب على القارئ بأن يقر بما بينه له في أول الفقرة، من أن الغريزة لها دور رئيسي في تعليم الأسد أن يجرح ليقتل، وهي التي علمت الفهد والنمر كذلك كيف يرتزقان، وحتى الكلب أرشدته إلى طريقة الصيد، فالإجابة والحال هذه غير خفية ولكنه يطلب إقرارها من قبل القارئ؛ لتتأكد لديه، وترسخ في روعه.

وهكذا فقد استعان د. أحمد زكي بحشد هائل من السمات المميزة للمقال العلمي المتأدب، ونسجها ببراعة لا تصنع فيها؛ فأثمرت هذا النص الذي تمتزج فيه الرؤية العلمية الكاشفة بالبيان الأدبي الخلاب، وتنصهر فيه عصارة الفكر مع إشعاعات الوجدان، كما ظهرت بوضوح القدرة الفائقة له في تيسير مادته العلمية المتعلقة بموضوعه؛ حتى بدا وكأنه يكتب عن ظاهرة اجتماعية عامة ميسورة المعالجة، قريبة المأخذ، وليس تناولا لحقيقة علمية يقوم عليها ناموس من أصدق، وأحكم نواميس الحياة.

الهوامش

1 - بتصرف عن كتاب: أحمد زكي حياته وفكره وأدبه، د. محمد محمد الجوادي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984م.

2 - فرسان الثقافتين: د. محمد فتحي فرج، ص:35، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

3 - حديث الزمان، د. أحمد زكي، ص:17.

4 - ينظر: في سبيل موسوعة علمية، مقال: الحياة معركة شاملة قاسية ضارية، د. أحمد زكي، ص:7-13، ونشر في مجلة العربي، ص:30-42، عدد 98، 1 يناير 1967م.

5 - كلمة إنجليزية (camouflage) بمعنى: إخفاء والتمويه والخداع.

6 - والتضمين هنا من قوله تعالى: { يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا } (الحج:2).

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

جامعة ولاية سونورا بالمكسيك تمنح عبد الوهاب زايد الدكتوراه الفخرية

سونورا – الوعي الشبابي: منحت جامعة ولاية سونورا بالولايات المتحدة المكسيكية شهادة الدكتوراه ...

حسن بن محمد يكتب: العيد.. وتعزيز القيم الأسرية

حسن بن محمد - كاتب وباحث - تونس: يعتبر العيد مناسبة للفرح والاحتفال لدى كل العائلات المسلمة، وهو ...

مواجهة الإلحاد بالعلم والعقل والدين.. كتاب جديد للدكتور خالد راتب

القاهرة – الوعي الشبابي: أصدر الدكتور خالد محمد راتب، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال