الأحد، 04 ديسمبر 2022
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

البخاري.. أمير المؤمنين في الحديث

د.محمد صالح عوض - عضو المجمع العلمي لبحوث القرآن والسنة: إن الحياة في ظلال الحديث الشريف، نعمة ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

84 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

OS RAA A

رويدا محمد - كاتبة وباحثة تربوية/القاهرة-

يعرف الإبداع بأنه النشاط الإنساني المختلف عن المألوف، والذي يؤدي إلى إخراج نواتج أصلية كل الأصالة، وتتصف بالقيمة في أي مجال من المجالات، أو هو إيجاد حلول جديدة للمشكلات، أو اكتشاف علاقات لم تكن مكتشفة، مع إمكانية استخدام الخبرات السابقة.

ومرحلة الطفولة هي أهم المراحل النمائية في حياة الكائن الإنساني، وأكثرها تأثيرا في تكوين شخصيته، إذ تتشكل معالمها الأساسية، وتتبلور ميولها واتجاهاتها، كما أنها أكثر المراحل قابلية لاكتساب الخبرات، واستعدادا للتفاعل مع المؤثرات في البيئة المحيطة كما بات معروفا.

الأسرة والتربية الإبداعية

الأطفال أيضا يمتازون بخصائص أهمها: أنهم مولعون بالمعرفة والاستطلاع، واستكشاف الحياة على طبيعتها، وهذه تجعل من سنوات الطفولة أنسب الفترات التي يمكن الكشف فيها عن الإبداع، وتشير في الوقت نفسه إلى امتلاك كل طفل استعدادا فطريا للإبداع بدرجة ما؛ لكن رب سائل يسأل: الصفات المذكورة تنطبق على الأطفال عموما، فما هي خصائص الإبداع الأكثر وضوحا هنا؟.

إن أبرز الخصائص هي: مرونة التفكير أولا، وكثرة الأسئلة التي تحفز على التفكير وتدفع للبحث عن بدائل جديدة لحل المشكلات ثانيا، والميل الشديد إلى الحوار والمناقشة، وطرح الأسئلة الجريئة وغير المألوفة ثالثا، كما يتصف الطفل المبدع بأنه: ملاحظ دقيق للعلاقات بين الأشياء، وميال إلى تحليل المواقف والظروف تحليلا منطقيا، وقادر على تعديل سلوكياته وتبني آراء مغايرة تبعا للخبرات المكتسبة، ومنها أيضا: أنه يتمتع بالحيوية والنشاط والصحة العقلية، والقدرة على التركيز والتذكر، ويمتاز بقدر مناسب من الذكاء، ومستوى منخفض من القلق، إضافة إلى التحرر -إلى حد ما- من الضوابط والقوانين الاجتماعية التي تحكم الكبار، ولكن هل يمكن تربية الإبداع؟ وما هي الأساليب المتبعة؟ وما دور البيئة الاجتماعية فيها؟

التربية الإبداعية هي شكل من أشكال التربية الحديثة، لها مقوماتها وأساليبها ووسائلها، تقوم على أسس أهمها: إثارة العقل لتفكير يتميز بالاختلاف والحساسية للمشكلات، وبالطلاقة والمرونة والأصالة، وتهدف عموما إلى الكشف عن الطاقات الإبداعية وتنميتها، وتهيئة الأرضية الملائمة لإنمائها وتطويرها. يعرف أحمد نجيب، التربية الإبداعية بقوله(1): «يقصد بالتربية الإبداعية أن توجه التربية اهتمامها وأساليبها وأنشطتها ونتائجها إلى مجال الإبداع، مع مراعاة خصائص وإمكانيات ومقومات كل من التربية وعمليات الإبداع ودورها بالنسبة إلى الفرد والمجتمع؛ أي أنها هي التربية في مجال الإبداع، وما يمكن أن يحدث بينهما من تفاعل ونشاط إيجابي متميز، مع توظيف خصائص الإبداع ومقوماته لإثراء حياة الفرد والمجتمع، وتطويرها بأفضل صورة ممكنة».

لقد أثبتت بعض الدراسات النفسية والعلمية أن الأطفال يمتلكون أدوات الفكر، وأنهم أكثر مرونة في التفكير وقدرة على التخيل والإبداع، وأثبتت دراسات أخرى أن الإبداع لا يكون دوما وليد الطفرات، إنما هو سلوكات يمكن اكتسابها وتعلمها.

الأطفال يولدون بقدرات ذهنية ونفسية خاصة؛ تلعب ظروف البيئة الاجتماعية المحيطة، دورا رئيسا في تنميتها وإنمائها، وفي الوقت نفسه يمكن لتلك البيئة أن تكون عاملا مساعدا لوأدها، ما لم يتم توجيهها بالشكل المطلوب، فالإبداعات الكامنة لدى الأطفال لن تستثمر إلا إذا وجد من يكتشفها ويمهد الظروف المناسبة لها. تقول سناء العطاري(2): «مهما كانت قدرات الأطفال الإبداعية الكامنة، فإنها لن تؤتي أكلها ما لم تكن محاطة ببيئة مساندة دافئة، تكشف عن هذه القدرات وتساعدها على النمو والتطور، فكل الأطفال يولدون ولديهم قدرات إبداعية، ولكن الأمر يعود إلينا لتوفير البيئة المساندة لجهود الطفل الإبداعية».

لعل أهم ميزات البيئة المساندة للإبداع: توفير الأمن النفسي الذي يستطيع المرء في ظله أن يعبر عن أفكاره، ويظهر أعماله الإبداعية بحرية، وبالقدر ذاته يحتاج الإبداع إلى الحرية النفسية لينمو ويزهر، وهو ما ذهب إليه عالم النفس كارل روجرز بقوله (3): «إن الناس يحتاجون إلى شرطين إذا أرادوا أن يقوموا بعمل مبدع: الأمن النفسي، والحرية النفسية».

للأسرة دور أساسي في عملية الكشف عن القدرات الإبداعية والابتكارية لدى الأطفال وتطويرها، ولكن كيف يمكن لها القيام بمهامها في هذا المجال؟ إن الأسرة المساندة للإبداع هي التي تحترم حرية أطفالها تفكيرا وتعبيرا، وتتيح لهم فرص البحث والتساؤل والاستكشاف، ولا تكثر من التوجيه والإرشاد والتدخل في تفاصيل الأنشطة التي يمارسونها، وهي الأسرة التي تنأى عن الأساليب والاتجاهات التربوية المغلوطة، كالميل إلى التسلط، أو الإهمال أو استخدام التهديد أو التوبيخ، أو العقاب البدني القاسي.

وقد أكدت دراسات عدة على أهمية المناخ النفسي السوي للأطفال داخل الأسرة، وعلى العلاقة الوثيقة بين القدرة على الإبداع، وطريقة التنشئة المبنية على المودة والتسامح والحرية -المشروطة- في الاختيار، كما أن للبيئة الأسرية الغنية بالمثيرات الثقافية، والمساعدة على ممارسة الأنشطة المختلفة؛ تأثير إيجابي في عملية الإبداع، فحرية التجريب والممارسة، واللعب، والقراءة المنظمة والحث على الأسئلة المثيرة للتفكير، هي أساليب تنمي الإبداع لدى الأطفال، وتشعل جذوته لديهم.

ولا يمكن إغفال الدور الأساسي الذي تؤديه المدرسة في الكشف عن الطاقات الإبداعية للطفل، وتنمية مواهبه من خلال نشاطاتها الموجهة لهذا الغرض، فأهم وظائف المدرسة الحديثة هي إعداد النشء للتكيف مع التطور المستمر في العالم، وتأهيلهم للنهوض بمهام تنمية مجتمعاتهم، لذا فإنها مطالبة بالاهتمام بميول الأطفال ورغباتهم، وتوفير الأجواء الملائمة لإنجاز متطلبات التربية الإبداعية.

والحديث عن دور المدرسة في تنمية الإبداع يبدو ناقصا دون الحديث عن دور المعلم، فهو الذي يروي بذرة الإبداع لدى الطفل، من خلال تحفيز ملكاته, وتوسيع آفاق تفكيره الحر، وهو الذي يكتشف قدراته الإبداعية، ويفسح المجال أمامها لتظهر وتخرج إلى النور، وبالمحصلة يسهم في إنتاج جيل قادر على انتهاج السلوك الإبداعي وفق أسسه ومعاييره، وهذا يتطلب امتلاك استراتيجيات تربوية واضحة بهذا الخصوص.

يقول نبيل علي في معرض حديثه عن متطلبات تنمية الإبداع (4): «إن الكلمة السحرية في تنمية الإبداع لدى الصغير هي: التوازن، التوازن بين إطلاق حريته وإعطائه القدر المناسب من التوجيه، بين حثه على فعل المزيد وعدم التسرع في إنضاجه خشية الاضطراب النفسي والعقلي، بين البحث عن المكتمل دون الإغراق في التفاصيل، وهو التوازن بين الوقوف على أرض الواقع الصلبة والتحليق في عالم الرؤى الخيالية للعقل المبتكر الوثاب بحثا عن آفاق جديدة». وهناك وسائل أو مثيرات تهيئ للأطفال الأرضية المواتية للإبداع والتفكير الإبداعي؛ يتفق عليها أهل الاختصاص من علماء دارسين ومربين، ومنها:

1- الألعاب: يشكل اللعب جزءا أساسيا في عملية تنمية الإبداع، ويرتبط بها ارتباطا وثيقا، فالاهتمام بالألعاب، وتوفير عدد مناسب من اللعب المتنوعة، يحفز قدرات الأطفال الإبداعية والابتكارية، وينمي لديهم الذكاء والخيال والقدرة على التعبير، ولاسيما الألعاب التي تتميز بالفك والتركيب، كالمكعبات وألعاب الصلصال وألعاب الصور غير المكتملة وألعاب الكلمات والحروف وغيرها، واللعب لدى الأطفال ليست وسيلة للتعلم والاستكشاف وتحقيق الصحة النفسية فحسب، إنما وسيلة للتواصل مع العالم، وفق الرؤى الطفلية الخاصة.

2- الرسم:يعد ممارسة الأطفال للرسم والأنشطة الفنية التي ترتبط به، إحدى الوسائل الفعالة في مجال الإبداع، فالرسم وسيلة تعبيرية ممتازة لما يجول في نفوسهم، ويجعل من التفكير أمرا أكثر سهولة، فيما لا يقدر الطفل أن يعبر عنه شفاهيا، كما يساعدهم في تفريغ مكبوتاتهم، وزيادة قدراتهم على توليد الأفكار.

3- العوائق المصطنعة: حيث يقوم الوالدان باصطناعها أمام حركة الطفل، لتعيقه عن الحصول على ما يريد، فيستثار، ويحاول إيجاد السبل لإزالة العائق، وهنا لابد أن يكون العائق مناسبا لعمر الطفل وقدراته العقلية والجسمية.

ومن الوسائل المساعدة في تنمية الإبداع أيضا: القصص والحكايات، التي تعد من المثيرات الفنية للتفكير الإبداعي، وجلسات توليد الأفكار، وفيها يتاح للطفل أن يتحدث عن نفسه وأفكاره، ويقوم بذكر أكبر عدد من الأشياء التي تستحوذ على اهتمامه، وأيضا: النكت والأحاجي: ولهما دور في توسيع خيالات الطفل وتصوراته, وإثارة قدراته على الطلاقة والتعبير الشفهي.

يقول نزار نجار (5): «البيت الذي يريد أولادا مبدعين؛ يفتح لهم أبواب المعرفة، فيجيب عن التساؤلات التي تدور في أذهانهم، ويشجعهم على المطالعة والاستقصاء والاستكشاف، ويهيئ الجو المناسب من أجل الإبداع والتفكير الطلق والتعبير الحر.. وتوفر مناخا ملائما لتربية الإبداع داخل البيت، مثل إتاحة الفرصة لاستثارة الدهشة والاستغراب، وتشجيع الأسئلة والتساؤل».

وفي إطار وعي الأسرة بدور القراءة في حياة أطفالها كمحفز لطاقاتهم, وموقد لمشاعل إبداعاتهم, تبدو الحاجة ماسة إلى أدب الأطفال كأسلوب تربوي متكامل؛ تسعى التربية الإبداعية إلى توجيه ميل الطفل نحوه، فأدب الأطفال يسهم في تنمية قدراته الإبداعية والابتكارية وإطلاق طاقاته التعبيرية، ويشكل دافعا مهما للبحث والاستطلاع، كما يسهم في تنمية الصفات اللازمة للتفكير الإبداعي، إضافة إلى تنمية مهارات أخرى تنمي الإبداع.

يقول حسن شحاتة (6): «إن مجال أدب الأطفال بما يتضمنه: قصص، وأشعار، ومجلات، وكتب، ومسرح، وموسيقا، وأفلام، وبرامج إذاعية مسموعة ومرئية، مجال مهم، له دوره كأسلوب للتربية الإبداعية للطفل، من خلال تنمية القدرات الابتكارية والخلاقة لدى أطفالنا. ففي أدب الأطفال خبرات متنوعة شاملة ومتكاملة، والطفل يتلقى من هذه الخبرات ما يعده للاستجابة بطريقة موجبة لخبرات حيوية قادمة».

الهوامش

1- موقع القصة السورية، نقلا عن: أدب الأطفال (علم وفن) أحمد نجيب، دار الفكر العربي، القاهرة، جمهورية مصر العربية 1994.

2- أدب الأطفال والتربية الإبداعية، مجلة رؤى تربوية، العدد 16، ص 75.

3- السابق.

4- الطفل العربي وتكنولوجيا المعلومات، كتاب العربي الشهري، الكتاب 50، مرجع سابق، ص /226- 227/.

5- دراسة في أدب الأطفال، نزار نجار، منشورات اتحاد الكتاب العرب بدمشق 1994، ص /19-20/.

6- أدب الأطفال مدخل للتربية الإبداعية، د. انشراح إبراهيم المشرفي، مدرس المناهج وطرق التدريس، كلية رياض الأطفال، جامعة الإسكندرية، موقع جامعة أم القرى، مكة المكرمة، الرابط الإلكتروني: http://uqu.edu.sa

أضف تعليق


كود امني
تحديث

23 حافظًا وحافظة يتوجون الدفعة الثانية من كتّاب البخاري

القاهرة – الوعي الشبابي: احتفل كتّاب البخاري لتحفيظ القرآن الكريم بالتجمع الخامس بالعاصمة ...

الحياة الأسرية في بيت النبوة

صابر علي عبدالحليم - إمام وخطيب بوزارة الأوقاف المصرية: خير نموذج لحياة أسرية تنعم بالأمن ...

التلعيب.. مفهوم تعليمي جديد يعزز المفاهيم المهمة والمثيرة للجدل والنقاش

القاهرة – محمد عبدالعزيز يونس: لا يتوقف مجال تكنولوجيا التعليم عن الابتكار والتغيير ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال