الجمعة، 13 ديسمبر 2019
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الشيخ مناع القطان.. بنّاء العقول

✍ هشام الصباغ - باحث لغوي:  في البدء كانت «اقرأ».. أدرك رواد النهضة في الكويت ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

151 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

دعاء للتوبة

السنوسي محمد السنوسي - باحث وصحفي:

لئن كانت إحدى ميزات الإسلام الكبرى أنه جمع، في توازن ووسطية وانسجام، بين ما يظنه الناس قيما متباعدة متضادة؛ فإن شهر رمضان هو ذلك الزمان المبارك الذي تتجلى فيه هذه الميزة كأحسن ما يكون التجلي، وتتضح على أفضل صورة من الوضوح، وتتكامل بأشد ما يكون التكامل.

فلقد عرف الناس في مذاهبهم وأفكارهم وفلسفاتهم انحرافا ناحية قيمة ما على حساب قيم أخرى، أو إيغالا في اتجاه ما خصما من اتجاه آخر مطلوب وليس بأقل في المكانة والأهمية.

فاليهود قد أوغلوا في الماديات والحسيات، وعبدوا الدينار والدرهم، واستحلوا الربا، حتى قست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة، على النحو الذي أوضحه القرآن الكريم في أكثر من موضع، بمثل قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (البقرة:74).

وأما النصارى فقد أسرفوا في التزهد، وفي الجانب الروحي، وتركوا المباحات من النكاح والطعام وغيرهما، حتى ألزموا أنفسهم ما لم يأذن به الله تعالى، فقال عنهم سبحانه: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} (الحديد:27).

لكن، وفي مقابل هذا الانحراف في اتجاهين متضادين، جاء الإسلام ليعيد التوازن المفقود بين الروح والمادة، وليجمع في تكامل بين متطلبات النفس وضرورات الجسد؛ من غير أن يجور طرف منهما على الآخر.

وقد تقرر هذا الأمر في غير آية من القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (القصص:77)؛ حتى كانت «الوسطية» خصيصة بارزة من خصائص هذه الأمة الخاتمة الشاهدة: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء} (البقرة:143).

وقد جاء شهر رمضان ليكون زمانا مباركا تلتئم فيه هذه الثنائيات، ويذوب ما بينها من تباعد عرفته الأديان والمذاهب الأخرى.. حتى لكأن هذا الشهر الكريم، بل الأمر كذلك بالفعل، ليرسم لنا بما يعلمنا إياه الطريق الذي ينبغي أن نسير عليه بقية العام، والمنهج الذي يجب أن نتبعه ولا نحيد عنه..

ونركز هنا في هذه السطور على ثلاث من هذه الثنائيات، وهي: عبادة الله ونفع الناس، تزكية الروح وإشباع الجسد، العناية بالذات وبالآخرين.

عبادة الله ونفع الناس

لقد خلق الله تعالى الإنسان لغاية محددة، وهي عبادته وطاعته، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات:56). وهذه العبادة يمتد معناها ليظلل كل حركات الإنسان في الأرض؛ بحيث لا يند فعل من أفعاله، ولا قول من أقواله، عما يحب الله ويرضاه؛ سواء أكان هذا في صورة إتيان لمأمور به، أو ابتعاد عن منهي عنه. لكننا نعالج هنا «عبادة الله» بالمعنى المختزل في أذهان البعض، ليشمل الشعائر التعبدية فحسب، وليس كل حركات الإنسان وسكناته.

وبالتالي، نقول: إن شهر رمضان الكريم هو فرصة لتلتئم هذه الثنائية المتباعدة في دنيا الناس، ألا وهي اهتمام البعض بالعبادة، بمعناها الضيق، دون أن ينشغل بنفع الناس، وبمد يد العون والخير لهم.

يأتي شهر رمضان ليعلمنا التوازن في هذه الناحية؛ فنحن مأمورون فيه بالصيام والقيام وقراءة القرآن؛ تماما كما أننا مأمورون فيه بإطعام الطعام، وبذل الخير، والتصدق بوجه عام على المحتاجين وإخراج صدقة خاصة بالشهر الكريم وهي صدقة الفطر.. والأحاديث في ذلك كثيرة ومعروفة.

والخلل الحاصل في هذه الثنائية يتمثل في تفرغ البعض للعبادة فيما يتصل بالعلاقة مع الله تعالى، بينما يعرض عنها، أي عن العبادة، فيما يتصل بالعلاقة مع الناس! فترى أحدهم قابعا في زاوية من المسجد مصليا مستغفرا، ظانا أنه بذلك قد أدى ما عليه، وغير ملتفت لحاجة فقير، أو لإصلاح بين الناس، أو غير ذلك من وجوه الخير المتعددة والمطلوبة بإلحاح! فضلا عن أنه قد يمسك عن الطعام والشراب دون أن يمسك لسانه ويمنع أذاه عن الآخرين!

إن المجتمع الذي ننشده لا ينهض بهذا الخلل الحاصل في هذه الثنائية.. وشهر رمضان فرصة كبيرة لنتعود الجمع بينهما.

تزكية الروح وإشباع الجسد

كما يعلمنا شهر رمضان أيضا، وبطريقة عملية، أن الإسلام لا يعرف التناقض بين تزكية النفس وتلبية حاجات الجسد، ولا يقر ما يعتقده البعض من أن الاهتمام بأحدهما يعني بالضرورة إهمال الآخر!

نعم، الروح هي أهم ما في الإنسان، وهي نفخة علوية إذا زكاها الإنسان يصير قريبا من عالم الملائكة، بل أفضل؛ لأنهم مجبولون على الطاعة بينما الإنسان مخير؛ فإذا أطاع الله يكون قد جاهد نفسه وتغلب على المغريات، بخلاف من يطيع الله دون مشقة.. نعم، الروح هذه هي مكانتها؛ لكن ذلك لا يعني في مفهوم الإسلام أن الجسد شيء مستقذر، كما هو الحال في فلسفات منحرفة.. بل الجسد هو الأداة التي تستخدمها الروح للعروج في مدارج المتقين.. وهذه العلاقة تشبه من زاوية أوسع علاقة الدنيا بالآخرة؛ فكما أن الدنيا مزرعة للآخرة، ومقدمة لها، والإحسان فيها شرط التمتع بالجزاء الأوفى الموعود في الآخرة.. كذلك فإن الجسد هو أداة الروح، والسلم الذي به تصعد إلى المعالي.

وفي شهر رمضان تأخذ الروح حظها الأوفر؛ إذ نمتنع عن الطعام والشراب من طلوع الفجر حتى غروب الشمس، بما يسمح للروح أن تتخف من علائق الجسد والشهوة، وبأن تنطلق محلقة في عوالم الكمالات.. لكن هذا الإمساك عن الطعام والشراب لا يتكرر في سائر العام بالصورة المعروفة في رمضان؛ بل غاية الصيام، كما جاء في الصحيحين عن عبدالله بن عمرو، هي صيام داود: «كان يصوم يوما ويفطر يوما».. بل في أثناء شهر رمضان ذاته غير مسموح بوصل الصيام؛ ففي حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال. قالوا إنك تواصل، قال: «إني لست كهيئتكم؛ إني أطعم وأسقى» (أخرجه مسلم).

فالإسلام لا يهدف إلى حرمان الجسد من ضروراته، تلك الضرورات التي لا تكون الحياة إلا بها، إنما يهدف إلى ضبط غرائزه، وتهذيب طباعه، وتنظيم حاجاته؛ حتى يتحقق التوازن بين الروح والجسد، على اختلاف متطلبات كل منهما.

العناية بالذات وبالآخرين

بعض الناس ينكفئ على ذاته، وينشغل بها وحدها، وقد يكون هذا الانشغال انشغالا بالطاعة لا بالمعصية.. لكن الإسلام لا يرضى بهذا السلوك؛ لأن المسلم لا يحيا وحده في جزيرة منعزلة، بل يعيش في مجتمع؛ وهذا المجتمع، ابتداء من أسرته، له عليه حقوق ينبغي أن يستوفيها.

فانشغال الإنسان بنفسه فحسب، أمر مرفوض، ولو كان انشغالا بالطاعة.. ولهذا كان للدعوة إلى الله تعالى فضل عظيم؛ قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت:33).

وهذا التوازن بين عناية الإنسان بنفسه وعنايته بالآخرين، نلحظه في شهر رمضان من خلال سلوك النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل بيته؛ ففي الصحيحين من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر». فاشتمل هذا الحديث الشريف على بيان عبادة النبي صلى الله عليه وسلم في خاصة نفسه، وعلى بيان سلوكه مع الآخرين من أهل بيته.

وهذا درس لنا ألا نحرم بيوتنا من نفحات هذا الشهر وفضائله، وألا نبخل عليهم بنصح أو توجيه، مع الرفق والأناة والترغيب.. وبزاوية أوسع: هذا درس لنا ألا يقتصر نفعنا على ذواتنا، بل يتعدانا إلى الآخرين، سواء في دائرتنا الصغيرة من الزوجة والأولاد، أو في دائرتنا الكبيرة من الجيران والأقارب والمعارف ومن لنا صلة بهم.

إن شهر رمضان الكريم هو التدريب العملي لنا على الجمع بين كثير من الثنائيات التي يظنها الناس متناقضة، لا لقاء بينها.. بحيث نخرج من هذا الشهر الكريم ونحن أقدر على تمثل المنهج الإسلامي، وعلى حسن التعبير عنه والدعوة إليه في سائر العام.. سواء فيما يتصل بالجمع بين عبادة الله ونفع الناس، أو بالعمل على تزكية النفس وإشباع الجسد.. أو بالعناية بالذات وبالآخرين معا.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

المتسابق عبدالله الفاضل يحرز المركز الثاني في بطولة تايلند العالمية للدراجات المائية

الكويت – الوعي الشبابي: حقق المتسابق عبدالله الفاضل من فريق نادي الرياضات البحرية المركز ...

أهمية الألوان والرسم للأطفال

 ✍ محمود أحمد حسانين - قاص وباحث:      أثبتت بعض الدراسات فوائد ...

"ستانلي.. ترنيمة الحب والحرب والحياة".. حكايات الإسكندرية

القاهرة- جنا حماد: انتهت الكاتبة والروائية والسيناريست وعضو اتحاد كتاب مصر ريم أبو عيد من كتابة ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال