الأربعاء، 29 مايو 2024
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

مرزوق العمري يكتب: من أعلام الدعوة الإسلامية.. الشيخ عمر العرباوي

الجزائر – مرزوق العمري: قيض الله عز وجل لخدمة دينه والدعوة إليه رجالا تميزوا بما آتاهم الله ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

356 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

praygh

محمد علي الخطيب - باحث تربوي:

الإمام العلامة، أبو يعقوب، يوسف ابن يحيى القرشي البويطي. نسبته إلى بويط، وهي قرية من أعمال الصعيد الأدنى من ديار مصر تابعة لمركز ساحل سليم فى أسيوط.

أحد الأعلام وأئمة الإسلام، وجبل من جبال العلم. سجين فتنة القول؛ تلك الفتنة التي سودت صحائف العباسيين، في حقبة سوداء مظلمة، تطاول ليلها حتى جاوز عشرين سنة (212هـ-232هـ)، تعاقب عليها خلفاء ثلاثة، هم: المأمون، والمعتصم (على يديه جرت فتنة الإمام أحمد، وضرب بين يديه بالسياط)، وثالثهما الواثق (كان أشدهم في القول بخلق القرآن، يدعو إليه ليلا ونهارا، سرا وجهارا. وعلى يديه جرت فتنة أبي يعقوب البويطي، رحمه الله). وذلك أن المعتزلة استولوا في هذه الحقبة على عقول الخلفاء، وسبوا قلوبهم، وزينوا لهم القول بخلق القرآن، وما زالوا بهم حتى حملوا الناس على الإقرار كرها بهذه العقيدة الباطلة وامتحانهم بها، واستحلوا دماء مخالفيهم، وأحضر خلق كثير من مشايخ الحديث والفقهاء وأئمة المساجد وغيرهم، ووقعت بين الناس فتنة عظيمة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. لكن لا يخلو زمان، ولا مكان -ومهما انتفخ الباطل وتعاظم- من تلك الطائفة الظاهرة على الحق، المتمسكة بأهدابه، وبها يزهق الله الباطل إن الباطل كان زهوقا، منهم أبو يعقوب البويطي، صاحب الشافعي وخليفته في حلقته، وواسطة عقد جماعته، وأظهرهم نجابة، وأوسعهم علما، وأعظمهم شأنا.

امتحن -رحمه الله- فاستعصم، وكان بإمكانه أن يأخذ بالرخصة، وينجو بنفسه، لكنه خاف أن يفتن الناس من بعده، وأنظارهم متعلقة به. قال له والي مصر، قبل أن يبعث به إلى الخليفة، رجاء أن يستنقذه، وكان يعرف قدره: «قل فيما بيني وبينك (أي إن القرآن مخلوق)»! قال: «إنه يقتدي بي مئة ألف، ولا يدرون المعنى»!

ليت علماءنا يستشعرون عظم الأمانة التي يحملونها. ويذكر واحدهم أنه يقتدي به كذا وكذا من الناس، فلا يستغرق في التقية والمداراة، ويتوسع في الأخذ بالرخص، فيلتبس الأمر على الأتباع، ويفتتن العامة، وتدرس معالم الدين، وتضيع حدوده، فتكون فتنة!

مكانته العلمية

كان أبو يعقوب من الشافعي بمكان مكين؛ اختص به في حياته، وقام مقامه في الدرس والفتوى بعد وفاته، فتخرج على يديه أئمة تفرقوا في البلاد، ونشروا علم الشافعي في الآفاق. ولأبي يعقوب كتاب «المختصر» في الفقه، اقتبسه من كلام الشافعي. وروى عنه أيضا الحديث، وعن ابن وهب وآخرين. وعنه روى الربيع بن سليمان المرادي، وأبو الوليد ابن أبي الجارود المكي، وأحمد بن منصور الرمادي، وأبو إسماعيل الترمذي.. وغيرهم كثير لا يتسع المقام لذكرهم. وثقه أهل الحديث، وقال ابن حجر في ترجمته له: «ثقة، فقيه من أهل السنة».

عبادته

عرف البويطي بورعه وزهده وصلاحه وتقواه واجتهاده في العبادة والمداومة على الذكر والقيام والصيام وتلاوة القرآن، لا يكاد يمر يوم وليلة إلا يختم القرآن، ولا يفتر لسانه عن ذكر الله مع صنائع المعروف وفعل الخير إلى الناس، وهو متنوع فيها، لم يدع بابا من أبوابه الكثيرة إلا أخذ حظه منه. قال ابن حجر في ترجمته له: «كان إماما في العلم، قدوة في العمل، زاهدا ربانيا، متهجدا، دائم الذكر والعكوف على الفقه». وقال ابن أبي الجارود: «كان البويطي جاري، فما انتبهت ساعة من الليل إلا سمعته يقرأ ويصلي». وهذا هو العالم بحق.

محنته

كان الشافعي صاحب فراسة، ينظر بنور الله، وذلك فضل الله يختص به من يشاء من عباده، من أهله وخاصته، وقد بشر تلميذه البويطي بما آل إليه أمره من المحنة والفتنة، فقال له: «أنت تموت في الحديد»! وفيه حكاية، قال الربيع بن سليمان: «كنت عند الشافعي أنا والـمزنــي وأبو يعقوب البويطي، فنظر إلينا فقال لي: أنت تموت في الحديث. وقال للمزني: هذا لو ناظره الشيطان قطعه أو جدله. وقال للبويطي: أنت تموت في الحديد». قال الربيع: «فدخلت على البويطي أيام المحنة فرأيته مقيدا إلى أنصاف ساقيه مغلولة يداه إلى عنقه».

غير أن الله سبحانه ابتلاه وأعانه، رحمة منه وفضلا، فشغله بذكره حتى أنساه الحديد. كتب إلى الربيع من السجن، يقول: «إنه ليأتي علي أوقات لا أحس بالحديد أنه على بدني حتى تمسه يدي، فإذا قرأت كتابي هذا فأحسن خلقك مع أهل حلقتك، واستوص بالغرباء خاصة خيرا».

وقد اتهم في الوشاية به كثير من حساده من أهل العلم ومن الأقران، وقال أبو عمر ابن عبدالبر الحافظ في كتاب «الانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء»: «إن ابن أبي الليث الحنفي، قاضي مصر، كان يحسده ويعاديه، فأخرجه في وقت المحنة في القرآن العظيم في من أخرج من مصر إلى بغداد، ولم يخرج من أصحاب الشافعي غيره. وكان ممن سعى به أيضا أبو بكر الأصم وابن أبي دؤاد القاضي المعتزلي ورأس فتنة القول بخلق القرآن وأصحابه، وابن الشافعي، والمزني، وحرملة، والله الخصم والحكم، والله أعلم». وروى أبو جعفر الترمذي عن البويطي، أنه قال: «برئ الناس من دمي إلا ثلاثة: حرملة والمزني وآخر». لكن الذهبي تعقبه قائلا: «استفق، ويحك، وسل ربك العافية، فكلام الأقران بعضهم في بعض أمر عجيب، وقع فيه سادة، فرحم الله الجميع». وهذا كثير في المحن التي تجري للعلماء، فإن أكثر من يسعى فيها يكونون من الأقران، حسدا وتنافسا على الرئاسات والمناصب، وهو أمر عجيب حقا، ونسأل الله العافية.

قضية خلق القرآن

وهذه المحنة التي تعرض لها البويطي هي المحنة المشهورة في قضية خلق القرآن، التي امتحن فيها خلق كثيرون من العلماء والفقهاء، وأشهرهم الإمام أحمد، فمنهم من أجاب إلى ما أريد منه من القول بأن القرآن مخلوق، ومنهم من صلب لهم وامتنع، والبويطي ممن عصمه الله واستعلى على الفتنة رغم شدتها. قال ابن كثير: «وكان الذين ثبتوا على الفتنة فلم يجيبوا بالكلية أربعة: أحمد بن حنبل، وهو رئيسهم؛ ومحمد بن نوح بن ميمون الجند يسابوري، ومات في الطريق؛ ونعيم بن حماد الخزاعي، وقد مات في السجن؛ وأبو يعقوب البويطي». ومنهم أيضا أحمد بن نصر الخزاعي قتله الواثق بيده، رحمهم الله وأكرم مثواهم.

سيق البويطي إلى بغداد، محمولا على بغل، مقيدا في أربعين رطل حديد، وكان ذلك في أيام الواثق. قال الربيع بن سليمان: «ولقد رأيته على بغل في عنقه غل، وفي رجليه قيد، وبينه وبين الغل سلسلة فيها لبنة (طوبة) وزنها أربعون رطلا، وهو يقول: إنما خلق الله الخلق بـ «كن»، فإذا كانت مخلوقة، فكأن مخلوقا خلق بمخلوق. ولئن أدخلت عليه لأصدقنه (يعني: الواثق)، ولأموتن في حديدي هذا حتى يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم».

يرحم الله أبا يعقوب، لقد قام مقام الصديقين فما أجله من مقام، تصبر له، وهو يعلم ما سيصيبه في سبيل إظهار الحق، إلا أنه يعلم أيضا أن أجره قد وقع على الله وأن مكانه في عليين.

ولأبي يعقوب في حبسه أحوال عجيبة، ومنها أنه كان إذا سمع المؤذن وهو في السجن يوم الجمعة اغتسل ولبس ثيابه، ومشى حتى يبلغ باب السجن، فيقول له السجان: «ارجع يرحمك الله». فيقول: «اللهم إنك تعلم أني أجبت داعيك فمنعوني».

وروى التاج السبكي في «الطبقات»، قال: «قال أبو عمرو المستملي: حضرنا مجلس محمد بن يحيى الذهلي، فقرأ علينا كتاب البويطي إليه من حبسه، وإذا فيه «والذي أسألك أن تعرض حالي على إخواننا أهل الحديث؛ لعل الله يخلصني بدعائهم، فإني في الحديد وقد عجزت عن أداء الفرائض من الطهارة والصلاة». فضج الناس بالبكاء والدعاء له». قال السبكي: «انظر إلى هذا الحبر -رحمه الله- لم يكن أسفه إلا على أداء الفرائض، ولم يتأثر بالقيد ولا بالسجن فرضي الله عنه، وجزاه عن صبره خيرا».

وفاته

توفي في بغداد يوم الجمعة قبل الصلاة، في رجب سنة إحدى وثلاثين ومئتين، في القيد والسجن، رحمه الله تعالى.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

جامعة ولاية سونورا بالمكسيك تمنح عبد الوهاب زايد الدكتوراه الفخرية

سونورا – الوعي الشبابي: منحت جامعة ولاية سونورا بالولايات المتحدة المكسيكية شهادة الدكتوراه ...

حسن بن محمد يكتب: العيد.. وتعزيز القيم الأسرية

حسن بن محمد - كاتب وباحث - تونس: يعتبر العيد مناسبة للفرح والاحتفال لدى كل العائلات المسلمة، وهو ...

مواجهة الإلحاد بالعلم والعقل والدين.. كتاب جديد للدكتور خالد راتب

القاهرة – الوعي الشبابي: أصدر الدكتور خالد محمد راتب، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال