السبت، 26 نوفمبر 2022
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

البخاري.. أمير المؤمنين في الحديث

د.محمد صالح عوض - عضو المجمع العلمي لبحوث القرآن والسنة: إن الحياة في ظلال الحديث الشريف، نعمة ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

283 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

covepr cor cor co r co

د. أبوالمعاطي الرمادي- جامعة الملك سعود بالرياض:

الرحمة في اللغة هي الحنان، والحنَّان بالتشديد ذو الرحمة، وتحنَّن عليه ترحم عليه، والعرب تقول حنانك يارب وحنانيك يارب بمعنى واحد، أي رحمتك. (مختار الصحاح)،

والرحمة اصطلاحا صفة من الصفات التي يتصف بها الله تعالى والإنسان، لكن البون شاسع بين رحمة الله تعالى ورحمة عباده؛ فرحمة الله هي الصفة التي بها الإنعام والتفضل والإحسان، وهي رحمة وسعت كل شيء، ما نعلمه ومالا نعلمه، فنعم الله تعالى رحمة، وتفضله علينا رحمة، وإحسانه إلينا رحمة، وفروضه رحمة، وعطاؤه رحمة، ومنعه رحمة، في حين لا تتعدى رحمة الإنسان العطف والرقة، فهي رحمة محدودة بإدراكه القاصر الذي لا يمكن أن يتساوى بإدراك رب العباد، جل شأنه وتعالت عزته. ضرب النبي صلى الله عليه وسلم نموذجا للرحمة الفريدة في تعامله مع الأطفال، نموذجا يفوق -بما يكمن فيه من إنسانية- النظريات التربوية الحديثة الداعية إلى اللين في التعامل، والرافضة للشدة الباثة في نفس الطفل بذور العنف المنعكس أثره على المجتمع بشكل أو بآخر؛ لأنها ليست مجرد لين ورقة تهدأ بهما النفوس، وتسر لهما القلوب، بل فعل خالق لسلوكيات سوية وتصرفات حياتية تنعكس على علاقات البشر وأفعالهم.

وهي رحمة -مع بساطة صورها- لها تأثيرها العظيم في النفوس؛ لأنها «عملية»، استعان صلى الله عليه وسلم بالمواقف الحياتية اليومية البسيطة لغرس بذورها في نفوس الأطفال، وتعليمهم كيف يكون التعامل السامي بين البشر، وهو ما يجعلنا نقول عن رحمته صلى الله عليه وسلم إنها درس في الإنسانية الراقية.

تجلت رحمة النبي بالأطفال في تعامله مع أبنائه وأحفاده، ففي علاقته صلى الله عليه وسلم بابنه إبراهيم الرحمة كلها، في أسمى معانيها وأجمل صورها. فعن أنس رضي الله عنه قال: «ما رأيت أحـــدا كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان ابنه إبراهيم مسترضعا في عوالي المدينة، وكان ينطلق، ونحن معه فيدخل البيت فيأخذه فيقبله ثم يرجعه» (أخرجه مسلم).

وعنه - أيضا- أنه قال: «دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي يوسف القين وكان ظئرا (المرضعة والمراد هنا زوجها) لإبراهيم فأخذ رسول الله إبراهيم ولده وقبله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجـود بنفسه فجعــلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان فقال عبدالرحمن ابن عوف رضي الله عنه: وأنت يا رسول الله، فقال: يا بن عوف إنها الرحمة، وقال إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون» (أخرجه البخاري).

ومن رحمته صلى الله عليه وسلم بأبنائه حمله إياهم، حتى في أثناء الصلاة، فقد كان يحمل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع، ابنة ابنته زينب على عاتقه، يضعها إذا ركع، ويعيدها على عاتقه إذا قام، حتى يقضي صلاته، وانحنائه للحسن والحسين ابني فاطمة -رضي الله عنها- حتى يركبا على ظهره، فيزحف بهما وهو يقول: ما أروع جملكما! وإطالته السجود وهما فوق ظهره بالمسجد حتى لا يحرمهما من اللعب. عن عبدالله بن شداد عن أبيه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسنا أو حسينا، فتقدم رسول الله فوضعه، ثم كبر للصلاة فصلى، فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، قال أبي: فرفعت رأسي وإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد فرجعت إلى سجودي، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال الناس: يا رسول الله سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر، وأنه يوحى إليك، قال: كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته (أخرجه النسائي). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدلع لسانه للحسين بن علي فيرى الصبي حمرة لسانه، فيبهش إليه، أي يسرع إليه. (حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة).

وعن جابر رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعينا إلى الطعام، فإذا الحسين يلعب في الطريق مع صبيان، فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم أمام القوم ثم بسط يده فجعل الغلام يفر هاهنا وهناك، فيضاحكه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أخذه، فجعل إحدى يديه في ذقنه والأخرى بين رأسه وأذنيه، ثم اعتنقه وقبله، ثم قال: حسين مني وأنا منه، أحب الله من أحبه، الحسن والحسين سبطان من الأسباط. (أخرجه البخاري، والترمذي، وابن ماجه).

ومن مظاهر رحمته بالأطفال كان صلى الله عليه وسلم يأكل معهم ولا يتأذى منهم، ويتعامل مع أذاهم برقة عجيبة. فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: عثر أسامة بعتبة الباب فشج وجهه، فقال صلى الله عليه وسلم: «أميطي عنه الأذى فتقذرته، فجعل يمص عنه الدم ويمجه عن وجهه، ثم قال لو كان أسامة جارية لحليته وكسوته حتى أنفقه» (أخرجه ابن ماجة). وعنها رضى الله عنها أنها قالت: «أتى رسول الله بصبي فبال على ثوبه، فدعا بماء فأتبعه» (أخرجه البخاري).

ويرتبط برحمته صلى الله عليه وسلم رفضه غلظة القلوب مع الأطفال. فعـن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ فقال: نعم، قالوا لكننا والله ما نقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو أملك إن كان الله نزع من قلوبكم الرحمة» (أخرجه مسلم).

وتأففه من الأقرع بن حابس الذي لم يقبل أبناءه قط، ظانا أن ذلك من الرجولة والخشونة المطلوبة لتربية الأبناء. عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: «قبل النبي الحسن بن علي - رضي الله عنهما- وعنده الأقرع ابن حابس، فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا، فنظر إليه رسول الله وقال: من لا يرحم لا يرحم» (أخرجه البخاري).

ولم تكن رحمته صلى الله عليه وسلم قاصرة على أبنائه فقط، فقد كان رحيما بأطفال المسلمين وغير المسلمين، يداعبهم، ويحملهم، ويصبر على أذاهم، ويهنئ بميلادهم، ويباركهم، ويسعــد إذ يأتونه يحنكهم ويسميهم. فقد كان صلى الله عليه وسلم يلاعب زينب بنت أم سلمة، ويقول: (يا زوينب، يا زوينب مرارا). (أخرجه الضياء المقدسي، وصححه الألباني)، ويداعب الصبيان، فعن يوسف ابن عبدالله بن سلام قال: «سمانى رسول الله يوسف، وأقعدني في حجره، ومسح على رأسي»، وعن عبدالله بن جعفر -رضي الله عنهما- قال: «مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على رأسي، قال: أظنه قال ثلاثا، كلما مسح قال: اللهم اخلف جعفرا في ولده» (أخرجه الحاكم في المستدرك)، وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «سمعت أذناي هاتان وبصرت عيناي هاتان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيديه جميعا، بكفي الحسن أو الحسين، وقدميه على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ارقه «أي اصعد» قال: فرقى الغلام، حتى وضع قدميه على صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افتح فاك، ثم قبله، ثم قال: اللهم إني أحبه فأحبه»، ويدلل أخا أنس ويداعبه. فعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا، وكان لي أخ، يقال له أبو عمير -وهو فطيم- كان إذا جاءنا قال: يا أبا عمير ما فعل النغير؟ (أخرجه البخاري).

وعن أم خالد بنت خالد بن سعيد أنها قالت: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي وعلي قميص أصفر، فقال رسول الله: سنه سنه، قالت فذهبت ألعب بخاتم النبوة، فزبرنى أبى من ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعها، ثم قال صلى الله عليه وسلم أبلي وأخلقي أبلي وأخلقي، ثم أبلي وأخلقي، ثم أبلي وأخلقي»، أي أبلي وأخلقي كثيرا من الثياب، وهو دعاء بطول العمر. (أخرجه البخاري)، وروي عن عبدالله بن الحارث قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف عبدالله، وعبيدالله، وكثير بن العباس، ثم يقول: «من سبق إلي فله كذا وكذا، قال: فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبلهم ويلزمهم» (أخرجه أحمد).

ووقف بين يديه ذات مرة محمود بن الربيع، وهو ابن خمس سنين، فمج صلى الله عليه وسلم في وجهه مجة من ماء من دلو يمازحه بها، فكان ذلك من البركة، وأنه لما كبر لم يبق في ذهنه من ذكر رؤية النبي إلا تلك المجة، فعد بها من الصحابة. (أخرجه البخاري).

إن الرحمة لا تتنافى مع الخشونة؛ فنبينا صلى الله عليه وسلم الرحيم بالأطفال، هو نفسه من كان يعلمهم ركوب الخيل، والمبارزة بالسيف، ليفرق لنا بين الرحمة والتدليل، وبين القسوة واللين، ويبين لنا أهمية اجتماع خشونة الجسد مع لين القلب. وهو صادق في بيانه؛ فالرحمة القارة في القلب تهذب القوة، وتكبح جماحها، ولا أدل على ذلك من طبيعة الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم في حروبهم التي حكمتها رحمة زرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلوبهم، فلم يمثلوا يوما بجثث قتلاهم، ولم يبالغوا يوما في بطش بأعدائهم، كانوا رحماء بالضعفاء والنساء والأطفال، وهم لهم عدو، تسبق رحمتهم ضربات سيوفهم.

إن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالأطفال درس عملي في التربية، سبق به رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم النظريات التربوية كافة، وتفوق عليها بالإنسانية الكامنة في رحمته، والهدف المنشود من ورائها، فما أعظمه من نبي، وما أروعه من رسول!.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

23 حافظًا وحافظة يتوجون الدفعة الثانية من كتّاب البخاري

القاهرة – الوعي الشبابي: احتفل كتّاب البخاري لتحفيظ القرآن الكريم بالتجمع الخامس بالعاصمة ...

الحياة الأسرية في بيت النبوة

صابر علي عبدالحليم - إمام وخطيب بوزارة الأوقاف المصرية: خير نموذج لحياة أسرية تنعم بالأمن ...

التلعيب.. مفهوم تعليمي جديد يعزز المفاهيم المهمة والمثيرة للجدل والنقاش

القاهرة – محمد عبدالعزيز يونس: لا يتوقف مجال تكنولوجيا التعليم عن الابتكار والتغيير ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال