السبت، 20 يوليو 2019
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الداعية المجاهد الشيخ عبدالفتاح أبوغدة

✍ هشام الصباغ - باحث لغوي - مصر:     في البدء كانت «اقرأ».. ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

93 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

2014 1481365901

السنوسي محمد السنوسي - باحث وصحافي مصري:     

لعل من إحدى الحسنات الباقية في الحالة العربية والإسلامية، رغم ما تبدو عليه من تراجع حضاري بوجه عام، ومن وضع مزر لا يخفى على أحد؛ أن مجتمعاتنا العربية والإسلامية مازالت تحتفظ بتلك النواة الصلبة «الأسرة»، مع ما يمكن أن يقال عما أصابها من عيوب وأمراض.

إن الأسرة من المنظور الإسلامي ليست مجرد شراكة بين فردين قررا العيش معا، وإنما هي «نواة صلبة» لمجتمع متماسك ينتظر منه أن يمارس دوره، وأن يقوم بوظيفته في المعادلة الحضارية.

ولأن الإسلام يمتلك رؤية مميزة ومتمايزة عن غيره، فيما يتصل بمفهوم «الحضارة»، فإنه بالتالي يمتلك رؤية مميزة ومتمايزة فيما يتصل بمفهوم «الأسرة» ووظيفتها.

ونحن نرى أن في رؤى ومناهج غير الإسلام، تم التحلل من الأسرة ومن شروطها والتزاماتها، التي صار ينظر إليها باعتبارها عبئا وقيدا، وليست سياجا وحماية.. وحلت «الدولة» محل الأسرة في رعاية الأبناء، من حيث الجانب المادي فقط بالطبع، بل لم يعد مفهوم الأسرة ذاته مجرد علاقة بين رجل وامرأة، وإنما تعددت الأشكال والأنماط (بين رجل ورجل، وامرأة وامرأة)، ولم تعد للأسرة وظيفة ودور بالنسبة إلى الفرد والمجتمع، وإنما أمست تتمحور حول الفرد ونزواته.. وأصبح المجتمع مكونا من مجموعة أفراد لا من مجموعة أسر.. حتى الأسرة التي تبقت هناك- شكلا- فقدت ما يميزها ويجعل منها «أسرة» على النحو المطلوب.

هذا كله، يبين لنا مكانة الأسرة في منظور الإسلام، ودورها المنتظر في البناء الحضاري؛ الذي ليس بناء ماديا فحسب، وإنما يتخذ من المادة سلما للبناء المعنوي الروحي الإنساني القيمي.. فبهذا وحده يتميز الإنسان عن سائر المخلوقات والجمادات.

وبالتالي، فالطلاق ليس مجرد إنهاء لعلاقة زوجية، كما يمكن أن ينظر إليه على المستوى الضيق؛ وإنما هو ثغرة في هذا الجدار المجتمعي الذي ينبغي أن يكون متماسكا ليتمكن من أداء دوره ورسالته.

نعم، الطلاق أمر وارد شرعا وعقلا، لكنه «أبغض الحلال إلى الله»، كما جاء في حديث ابن عمر(1).. ولكنه أيضا يصلح كمؤشر قوي ومعتبر على حالة المجتمع ككل؛ تماسكا أو تفككا.. ولهذا ينبغي ألا نتناوله بمعزل عن حالة المجتمع ووضعه الحضاري.

فالأسرة والمجتمع بينهما علاقة مستطرقة، ويؤثر أحدهما في الآخر، ولا يمكن إصلاح طرف منهما دون النهوض بالآخر.

في الأسباب

هناك الكثير مما يمكن أن يقال عن أسباب انتشار الطلاق والتفكك الأسري، خصوصا في السنوات الأولى من الزواج، التي يكثر فيها الطلاق بنسبة مخيفة كما تشير إحصاءات عدة.. لكنني هنا أريد أن ألفت النظر إلى أسباب محددة أكثر أهمية وتأثيرا، وهي:

أولا: ضعف المجتمع عامة؛ فالمجتمع حينما يكون في حالة تراجع حضاري، وحينما يفتقد البوصلة نحو الأهداف والقيم الكبرى الحقيقية؛ فإن لبنات هذا المجتمع (الأسر) تكون عرضة بدرجة أكبر للتفكك والتحلل.

ثانيا: اختفاء «الأسر الممتدة»؛ أشرنا إلى أن العلاقة الزوجية ليست مجرد علاقة بين فردين وإنما بين أسرتين، ويمكن القول أيضا إنها علاقة بين عائلتين بكل أسرهما الصغيرة.. ومتى كانت الأسرة الصغيرة ممتدة الجذور والفروع داخل العائلة الواحدة أو العائلتين معا، أمكن احتواء ما ينشب بين الزوجين من خلاف ونزاع قبل أن يتفاقما.

ولهذا من المهم أن نعيد اللحمة إلى مفهوم «الأسرة الممتدة»، التي تتجاوز الفردية إلى العلاقات المتشابكة داخل العائلة والعائلتين.

ثالثا: التنشئة الأسرية غير الصحيحة؛ فعدم قيام الأسرة بدورها في غرس القيم والمفاهيم عند الأبناء، يجعل هؤلاء الأبناء غير قادرين على النجاح في الاختبار الأسري، وغير مدركين أصلا لمعنى الأسرة وأهميتها ودورها.

الأسرة ليست علاقة بين فردين لإشباع الغرائز، ولكنها محضن تربوي ونفسي واجتماعي.. ولابد لنجاحها من تشبع الزوجين بمجموعة من القيم والمهارات والسلوكيات؛ على رأسها: قيم المسؤولية، والتفاهم، والإيثار، والتفاعل، والتضحية؛ بجانب إدراك أهمية الأسرة في حياة الفرد والمجتمع، وأنها ضرورة وليست ترفا.

وهنا من المهم التنبيه إلى أن سلوكيات الوالدين بعضهم مع بعض، من حيث التفاهم والاحترام والثقة والحوار وغير ذلك، تنطبع آثارها على الأبناء، ويعيدون تطبيقها تلقائيا في حياتهم الجديدة.. ومن ثم، فعلى الآباء أن يجعلوا من أنفسهم قدوة لأبنائهم منذ الصغر؛ حتى لا يحصدوا الندم بعد ذلك، حين لا يتربى الأبناء على المسؤولية، وعلى احترام شريك حياتهم وإدارة علاقة سوية معه، بل إدارة الخلاف معه بما يحفظ حقوق كل طرف ولا يجور عليها.

الترابط الأسري

لقد جعل الله سبحانه إقامة الأسرة على المودة والرحمة آية من آياته، فقال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}(الروم:21).

ومن أجل تحقيق هذه الغاية من تكوين الأسرة، وهي أن تكون «سكنا» للزوجين، شرع الإسلام جملة من الآداب والتوجيهات، بدءا من أسس اختيار الزوجين، وآداب الخطبة، وشروط النكاح، وكيفية معاملة الزوجين بعضهما لبعض، ورعاية أبنائهما، إلى تشريع الطلاق وآدابه، وما يترتب عليه من حقوق مادية ومعنوية تشمل حفظ حقوق الأولاد.. وحتى في حالات النزاع أمر الإسلام إما بالإمساك واستمرار العلاقة بالمعروف، أو الطلاق والمفارقة بإحسان، قال تعالى: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (البقرة: 229).

كل ذلك يجعل من «الأسرة» التي يسعى الإسلام إلى إقامتها في المجتمع، نموذجا فاضلا لعلاقة الرجل بالمرأة، في تكامل ووئام، يشد من تماسك المجتمع المسلم، ويقوي لبناته.

ولنا في شهادات الغربيين الذين أسلموا شاهد قوي على هذا الجانب الذي يتميز به الإسلام، والذي دفعهم للدخول في رحابه.. تقول الأميركية لمياء: «إن أكثر ما يثير إعجابي تلك الروابط الأسرية الوثيقة، التي تجعل الفرد مطمئنا بأن هناك، وعلى الدوام، شخصا ما بالقرب منه، على استعداد لمد يد العون إليه، وتقديم الرعاية له؛ ولذلك قلما يوجد أي إحساس بالوحدة في المجتمع المسلم»(2).

كما تذكر الفتاة الأميركية هدى ما أعجبها في الإسلام، فتقول: «لقد أذهلتني شدة حرص الإسلام على علاقة الزوج بزوجته، وبيان معايير الاختيار السليم... لتكوين الأسرة التي تسودها المودة والألفة»(3).

ومما يساعد على إدراك تلك القيم النبيلة التي تقوم عليها الأسرة المسلمة، التعرف على ما تعانيه المرأة في المجتمع الغربي القائم على الفردية والنفعية، وليس فيه مكان للترابط والتراحم، ولذلك تحكي هدى عن معاناتها في المجتمع، فتقول: «لقد ضقت بماديات الغرب وجفاف المعاملة بين الناس، حتى في الأسرة الواحدة التي تأخذها مشاغل الحياة، من دون أن يشعر بعضهم ببعض؛ فلا مكان للمشاعر إلا من باب المصلحة العامة، في حين يحرص عليها الإسلام كقيمة في حد ذاتها، وكفضيلة تقصد لذاتها»(4).

نظرة مقارنة

إن من يطالع شهادات أولئك الداخلين في الإسلام من الغربيين وغيرهم، يدرك بجلاء أن «النظام الاجتماعي» هو الأكثر جذبا لهؤلاء من بين نظم الإسلام الأخرى.. ذلك أن الغرب تحديدا بينما يشهد تقدما في مجالات الحياة المختلفة؛ السياسية والاقتصادية والإدارية... إلخ، فإنه يشهد تراجعا موازيا في المجال الاجتماعي، في الوقت الذي تحرص فيه المجتمعات الإسلامية، ولو بدرجة ما، على القيم الإسلامية، وتسعى نحو ترسيخها.

فتماسك المجتمع الإسلامي والالتزام بالآداب والقيم الإسلامية التي تقوم على الأخوة بين المسلمين، والتسامح مع غيرهم، وحفظ حقوقهم؛ وتقوم أيضا على الترابط الأسري المرتكز على المودة والرحمة، وحفظ الأعراض والأنساب.. كل ذلك يقابله تفسخ المجتمعات الغربية، وانهيارها الأسري، وتحللها الأخلاقي، وازدراء المرأة في الحقيقة، واستهجان المفاهيم الإنسانية مثل: العرض والشرف والبكارة، وإحلال مكانها مفاهيم «الجندر» و«الأسرة المتعددة الأشكال» وما يسمى «حقوق الشواذ».. إلى غير ذلك مما تأباه الفطرة السليمة.

فهؤلاء الغربيون حينما ينظرون إلى المجتمعات الإسلامية، رغم أنها تعيش حالة تراجع حضاري، ويقارنونها بمجتمعاتهم، فإنهم يعجبون بتماسكها، وقدرتها على الانسجام والتواصل، والتراحم إلى حد ما، ومن ثم يبحثون عن سر ذلك التماسك، فكما قيل: «وبضدها تتميز الأشياء».

ولذا، علينا أن نعيد التماسك إلى مجتمعاتنا، وأن ندرك أن هذا التماسك للمجتمع ككل هو «حزام الأمان» للأسرة الصغيرة من التفكك والتحلل.. إضافة إلى معالجة الأسباب التي أشرنا إلى بعضها بإيجاز.

بهذا، نتجنب بقدر كبير حالات الطلاق الآخذة في التزايد، والتي تمثل تراجعا حضاريا علينا أن ننتبه إليه، وأن نأخذه على محمل الجد من دون تهاون.. كما يكون باستطاعتنا أن نعيد لمجتمعاتنا وأسرنا لحمتها القوية، ونسيجها المترابط؛ ذلك النسيج الذي يمثل شرطا فاعلا من شروط المعادلة الحضارية.

الهوامش

1- رواه أبو داود وابن ماجه، وصححه الحاكم، وضعفه الألباني.

2- «الجانب الخفي وراء إسلام هؤلاء»، محمد كامل عبدالصمد، 3/136، الدار المصرية اللبنانية، ط1، 1995م.

3- المصدر نفسه، 3/87.

4- المصدر نفسه، 3/88.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

إدارة التنمية الأسرية بالأوقاف تكرم المراقبات والأقسام المتميزة

الكويت – الوعي الشبابي: أكدت منال الحمدان مدير إدارة التنمية الأسرية في وزارة الأوقاف ...

الاكتئاب عند الأطفال

✍ وفيق صفوت مختار أخصائي التربية وعلم النفس - مصر:   جاء تعريف الاكتئاب Depression في ...

"إيكيغاي".. السر الياباني لحياة مديدة وسعيدة

 مرتضى الشاذلي - محرر صحفي: الحياة ليست مشكلة علينا حلها، بل يجب أن نحياها بحلوها ومرها، ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال